شؤون دولية

أوروبا وحيدة: ماذا بعد تحالف الأطلسي؟

أثناء حديثه في مؤتمر ميونيخ الأمني ​​في أوائل عام 2019، وجه نائب الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، رسالة مطمئنة للسياسيين والدبلوماسيين والقادة العسكريين الأوروبيين، الذين يشعرون بالقلق من فك الارتباط الأمريكي، قال فيها: “سنعود”، وقوبل خطاب بايدن بالاستحسان والارتياح.

وبانتظار ولاية الرئيس دونالد ترامب، ليقول وقريباً أو لاحقًا، أنه يمكن للقادة العودة إلى الإجماع عبر الأطلسي، الذي حدد حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ضمن لعبة عنوانها “الصبر”.

كان بايدن يغذي أملاً مشتركاً ولكن وهمياً، وكان بإمكان الإدارة الأمريكية الجديدة تخفيف بعض التوترات الحالية عبر الأطلسي، وعلى سبيل المثال، عبر إلغاء الرسوم الجمركية على الصلب والألمنيوم الأوروبيين، أو الانضمام إلى اتفاق باريس للمناخ، لكن هذه الإصلاحات لم تكن لتحل المشكلة من جذورها، فالتصدع في علاقات الولايات المتحدة وأوروبا لم يبدأ مع ترامب، ولن ينتهي به.

وعوضاً عن الاستسلام للحنين، كان ينبغي على قادة الولايات المتحدة وأوروبا البدء بتقييم صادق للطريق الذي قادهم إلى الأزمة الحالية، وبما يشكل خطوة أولى لبناء شراكة عبر الأطلسي أكثر نضجًا وتطلعية.

لم يكن البيت الأبيض العدائي، هو التهديد الرئيس للعلاقة عبر الأطلسي، أو الفصل بين المصالح، فأزمة اليوم هي أولاً وقبل كل شيء نتيجة عدم تناسق القوة بين الولايات المتحدة وأوروبا. ولفترة طويلة، قبل الجانبان هذا الخلل، بل قاما بتثبيته.

بقيت أوروبا مستسلمة لذلك، مقابل أن تقبع تحت مظلة الدفاع الأمريكية، ورغم كراهيتهم الحالية لـ “تقاسم الأعباء”، فقد فضل القادة الأمريكيون منذ فترة طويلة أن يكون الأوروبيون بمثابة راكب مجاني في مركبة السياسة الدفاعية الأمريكية، عوضاً الفوضى الأوروبية. ولكن مع نهاية الحرب الباردة، وأحداث 11 سبتمبر/أيلول، وصعود الصين، أدت جمعيها في نهاية المطاف إلى أن تغير واشنطن من أولوياتها الأمنية في أماكن أخرى، تاركة أوروبا وحدها تفنى.

وغدت أوروبا اليوم، قارة “نباتية في عالم من الحيوانات آكلة اللحوم”، كما وصفها سيجمار غابرييل Sigmar Gabriel، وزير خارجية ألمانيا السابق. وأعطت سياسة إدارة ترامب في أوروبا، المتأرجحة بين اللامبالاة والعداء، أعطت إيحاء بضرورة وجود حاجة ملحة جديدة.

في الوقت الحالي، لا تزال الرؤى الأوروبية “للحكم الذاتي الاستراتيجي” بعيداً عن الولايات المتحدة، والتي غالباً ما يستشهد بها رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود جونكر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. لكن حتى الآن، لا يوجد جيش أوروبي سوى على صفحات من الأوراق البيضاء. لكن حتى مثل هذه المقترحات المبدئية تغذي شكوك الولايات المتحدة، إن لم تكن تعارضها بشكل صريح.

يبدو أن الخوف الأمريكي ينبع من أن يكون هناك رغبة أوروبية في صناعة مسار خاص في المسائل الأمنية، يضع القارة في منافسة مباشرة مع الولايات المتحدة. فيما يفضل صناع السياسة في الولايات المتحدة أن ينفق الأوروبيون أكثر على القوة العسكرية داخل حدود الناتو، وهي فكرة تستند إلى افتراض أن أوروبا أكثر قدرة ستظل تحذو حذو الولايات المتحدة. ومع ذلك، يبقى الأمل في إمكانية دفع أوروبا للاستثمار في دفاعها دون تطوير مصالح أمنية أكثر استقلالية مجرد أمل خيالي.

يتعين على صانعي السياسة في الولايات المتحدة الاختيار، بين تفضيلات عدة، فإما أن يحافظوا على قارة أوروبية ضعيفة ومنقسمة تتماشى مع مصالحهم وتعتمد على قوة الولايات المتحدة، أو أن يكونوا مستعدين للتعامل مع شريك أكثر قوة واستقلالية يتعارض أحيانًا مع سياساتهم المفضلة. أما أوروبا من جانبها، فلديها خيار مماثل للقيام به، فلا يمكنها أن تدعي القدرة على القيادة العالمية المستقلة فيما تواصل الاعتماد على الولايات المتحدة في شؤونها الأمنية، بما في ذلك في جوارها المباشر.

إن عكس الاتجاه نحو فك الارتباط والانفصال الأوروبي عن الولايات المتحدة، هو مسؤولية صانعي السياسة الأوروبيين. لكن على الولايات المتحدة ألا تعارض هذه الجهود، حتى لو انتهى بها الأمر إلى جعل أوروبا شريكًا أكثر صعوبة.

وعلى المدى البعيد، فإن قارة قوية قادرة على الدفاع عن مصالحها وخوض معاركها، ستفيد واشنطن أكثر من كونها قارة منقسمة وضعيفة. ويمكن للتحالف عبر المحيط الأطلسي ويجب أن يظل حجر الأساس للنموذج الغربي للقيم والمبادئ الديمقراطية الليبرالية. لكن سيتعين عليها التحول لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية المتزايدة التي تفرضها كل من الصين وروسيا. وبدلاً من السعي وراء عودة شراكة عبر الأطلسي التي ستستمر بلا شك، يجب على الولايات المتحدة وأوروبا الآن الاستثمار في نتائج الحكم الذاتي الأوروبي وقبولها تلك النتائج.

الاشتعال البطيء:

تتم كتابة حكايات من العصر الذهبي للوحدة عبر المحيط الأطلسي في محاولة للاستفادة منها بعد فوات الأوان، وفي الحقيقة، كانت العلاقة دائماً مضطربة. فقد طورت فرنسا والمملكة المتحدة قدرات الضربة النووية الخاصة بها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ضد الاعتراضات الأولية للزعماء الأمريكيين. حتى أن فرنسا تركت القيادة العسكرية المتكاملة لحلف الناتو في عام 1966، وعادت فقط في عام 2009. بينما سعت ألمانيا الغربية إلى علاقات أكثر انفراجاً مع ألمانيا الشرقية في سبعينيات القرن الماضي، مما دفع الآخرين إلى الخوف من تآكل العلاقات عبر الأطلسي، التي توحد الغرب ضد الكتلة الشرقية. كما أثارت الأحداث في الشرق الأوسط، قبل كل شيء، خلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا لعقود من الزمن، وذلك قبل فترة طويلة من انسحاب الولايات المتحدة من الصفقة النووية الإيرانية.

ولم يبدأ فك الارتباط الأمريكي من أوروبا بتنصيب ترامب، فمنذ نهاية الحرب الباردة، أبدت الولايات المتحدة رفضاً لمخاوف الأوروبيين، وبدت متحفظة في تقديم أرواح جنودها وأموالها لحماية الأوروبيين. وفي عام 2001، قام الرئيس جورج دبليو بوش بالانسحاب من بروتوكول كيوتو لعام 1997 على الرغم من الضغوط الشديدة التي قام بها جيرهارد شرودر، المستشار الألماني. ورفضت فرنسا وألمانيا الانضمام إلى “تحالف الراغبين” الذي أنشأته إدارة بوش للحرب العراق، وهو الانقسام الذي بدا وكأنه يمثل تراجعاً جديدًا في العلاقات عبر الأطلسي.

فيما وضع الرئيس باراك أوباما الملح على الجروح، وكانت إدارته “محورية” لآسيا، وقامت بـ “إعادة ضبط” مع روسيا. وفي الوقت نفسه، ألغت خططًا لبناء نظام دفاع صاروخي أمريكي في بولندا مع محطات رادار في جمهورية التشيك، وسحبت في وقت لاحق لواءين من الجيش الأمريكي من أوروبا.

وبعد أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014، قامت إدارة أوباما بعكس مسارها، حيث أعادت في نهاية المطاف أحد الأولويات عبر إنشاء مبادرة الطمأنينة الأوروبية (المعروفة الآن باسم مبادرة الردع الأوروبية)، وهو صندوق البنتاغون لعمليات الدفاع عن الحلفاء الأوروبيين. لكن حتى ذلك الحين، كان لدى أوباما كلمات قاسية لأوروبا، حيث وصف فرنسا والمملكة المتحدة بأنها “راكب مجاني” وذلك في مقابلة مع صحيفة The Atlantic.

وبأخذ ذلك في عين الاعتبار، فإن مشكلات اليوم ليست مستحدثة، فالخلافات الحالية بين الولايات المتحدة وأوروبا حول صفقة إيران النووية باهتة، مقارنة بالانقسام الذي نشأ عندما عارضت واشنطن الغزو البريطاني والفرنسي لمصر خلال أزمة السويس عام 1956، وحول احتلال العراق في عام 2003، والخلافات المتكررة حول الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

ومع ذلك، فإن روح العصر والأزمة والتفكك القائم، يبدو كل ذلك مناسباً في الوقت الحالي، ليرى الأوروبيون أن إدارة ترامب تصنع كبش فداء مناسب، كما قال الصحفي جيمس كيرشيك James Kirchick: “إلقاء اللوم على ترامب في مشاكلهم هو الشيء الوحيد الذي يمكن للأوروبيين الاتفاق عليه”.

بالطبع، كان بإمكان القادة الأوروبيين قراءة التطورات المعروضة علناً، وذلك قبل فترة طويلة من رئاسة ترامب، والخروج باستراتيجية لإبقاء الولايات المتحدة منخرطة. وبدلاً من ذلك، ظلوا راضين عن ضعفهم ومتواطئين في تدهور العلاقة، إلى الحد الذي أصبح فيه كل خلاف سياسي -يفاقمه خطاب ترامب غير الدبلوماسي- يزيد من حدة التصدع. وبدلاً من التذمر من أسباب الوفاة المبكرة، فإن من الأفضل أن يقبل الطرفان بأن التحالف يجب أن يتغير، وأن يعملا نحو هدف علاقة أكثر توازناً، ويخففا من الآثار الحتمية لهذه التداعيات.

هل هي نهاية إلى الرضا عن الذات؟

بات مأزق أوروبا واضحاً، ومن دون رؤية مشتركة للدفاع، وضغوط مزعزعة للاستقرار على أطرافها، ستعمل القارة قريبًا كمسرح، وليس كمشارك، في منافسة القوى العظمى. بينما تدعم روسيا، وبنشاط، الأحزاب اليمينية المتطرفة الأوروبية، وتتدخل بانتظام في الانتخابات الأوروبية. ففي أوكرانيا، ضمت روسيا شبه جزيرة القرم بشكل غير شرعي، وأثارت حربًا بطيئة الاشتعال أسفرت عن مقتل 13000 أوكراني وتشريد 1.5 مليون.

وفي أقصى الجنوب، دفعت الحرب الأهلية السورية ملايين اللاجئين إلى شواطئ أوروبا، مما تسبب في انقسام حول سياسة الهجرة وأثار صعود الأحزاب الشعبوية.

واستثمرت الصين من جانبها، وبكثافة، في الموانئ والبنية التحتية التكنولوجية في أوروبا، جزئياً لأنها تأمل في دق إسفين بين الولايات المتحدة وأوروبا، فكلما كانت أوروبا منقسمة داخلياً، كلما وجدت نفسها تحت رحمة هذه القوى العظمى الانتهازية.

هذه وصفة لأوروبا التي تعصف بها القومية مرة أخرى، والاتحاد الأوروبي الذي لا صلة له بالموضوع، والتحالف عبر المحيط الأطلسي الذي تتمتع فيه أوروبا بنفوذ ضئيل، بينما تفتقر الولايات المتحدة إلى شريك قوي.

الطريقة الوحيدة الحكيمة لتجنب هذا السيناريو الكابوس، هي أن تتخلى أوروبا عن ثقافة الرضا عن الذات، لصالح الحكم الذاتي. ويجب أن تطور القدرة على الدفاع عن نفسها بشكل أفضل، ومتابعة المصالح الأوروبية المشتركة. فقد حددت الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي هذا الهدف في استراتيجيتها العالمية لعام 2016، وردد القادة نفس المشاعر في الخطب في جميع أنحاء القارة، لكن هذا لا يعني أن الوصول إلى ذلك سيكون سهلاً.

فمن ناحية، يتعين على أوروبا بذل المزيد من الجهد لتأمين المناطق المجاورة، وكما أثبتت الحرب الأهلية السورية، فإن العديد من الدول الأوروبية تفتقر إلى القدرة العسكرية والإرادة السياسية للقيام بذلك. فبمجرد أن وبخت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الترامبيين والنهج الترامبي، دفع ذلك بالعديد من المراقبين إلى إعلانها “القائدة الجديدة للعالم الحر”. ففي مؤتمر ميونيخ الأمني ​​هذا العام، انتقدت ميركل، التي عادة ما تكون حذرة، إعلان ترامب بأن الولايات المتحدة ستنسحب من سوريا: “قرار أن إدارته ستنسحب لاحقًا”. وتساءلت ميركل: “هل من الجيد سحب القوات الأمريكية على الفور من سوريا، ألن تقوي نفوذ روسيا وإيران؟”. كانت لدى المستشارة نقطة مهمة: فك الارتباط الأميركي المفاجئ من سوريا قد يخلق فراغًا خطيرًا في السلطة، بقدر ما لقد حدث ذلك في العراق عام 2011. لكن انتقادات ميركل تبقى جوفاء، فبينما كانت تقتنص فرصة لمهاجمة السياسة الأمريكية في سوريا، لم يكن هناك جندي ألماني واحد يقاتل على الأرض هناك.

للحصول على استراتيجية أمنية أوروبية أكثر حزماً، انظر بدلاً من ذلك إلى باريس، حيث لم تلزم فرنسا قواتها الجوية فقط بمحاربة الدولة الإسلامية/داعش في سوريا، ودفعت الولايات المتحدة لمزيد من العمل المشترك هناك.

ولا يزال الاستراتيجيون الفرنسيون غاضبين من موضوع “الخط الأحمر” في صيف 2013، عندما تجاهلت إدارة أوباما تحذيرها الخاص من أن الحرب الكيماوية في سوريا ستؤدي إلى تحرك عسكري أمريكي. وشعر الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، الذي أرسل أوامر إلى الطائرات الفرنسية لبدء التحليق باتجاه سوريا، وشعر بالخيانة عندما لم تتابع واشنطن ذلك.

إذا نظرنا إلى الوراء على الحادث الذي وقع في عام 2016، وصف وزير الخارجية الهولندي، لوران فابيوس، تراجع الولايات المتحدة بأنه “نقطة تحول، ليس فقط للأزمة في الشرق الأوسط، ولكن أيضًا بالنسبة لأوكرانيا، القرم، والعالم”. مع قدرتها العسكرية المحدودة والمتاعب الداخلية المتزايدة، لا يمكن أن تعمل من تلقاء نفسها دون مزيد من الدعم من جيرانها الأوروبيين.

سيتعين على الأوروبيين أيضًا التغلب على انقسامات سياساتهم الخارجية، وأدت المخاوف المتعلقة بالتجسس الصيني وسرقة التكنولوجيا والإعانات الخفية، إلى أن تعتبر المفوضية الأوروبية الصين “منافسًا نظاميًا”، وقامت المفوضية بإدخال نظام يقوم بمراقبة الاستثمارات الأجنبية في البنية التحتية والطاقة والدفاع ووسائل الإعلام، بحثًا عن تهديدات محتملة للأمن الأوروبي، وهي مبادرة بدعم من فرنسا وألمانيا.

ومع ذلك، لا يزال نظام الفحص يفتقر إلى القدرة على التأثير، حيث إنه لا يصدر سوى التوصيات للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، التي يفتقر الكثير منها إلى تدابير حماية مماثلة على المستوى الوطني.

علاوة على ذلك، فإن موقف بروكسل الجديد صعب بشأن الانقسامات بين الدول الأعضاء، فالحكومة الإيطالية الشعبوية، على سبيل المثال، تسير في طريق مختلف، حيث أصبحت مؤخرًا أول اقتصاد أوروبي رئيس ينضم إلى مبادرة الحزام والطريق في بكين.

وبحسب ما ورد، قررت المملكة المتحدة السماح لشركة Huawei الصينية للتكنولوجيا، بالمشاركة في بناء شبكة 5G البريطانية، على الرغم من ضغوط الولايات المتحدة بعدم استخدام أي معدات تصنعها شركة الاتصالات الصينية العملاقة.

وتطال ذات الانقسامات سياسة الطاقة في القارة، حيث تتجه النمسا وألمانيا نحو استكمال خط أنابيب Nord Stream 2 المثير للجدل، والذي سينقل الغاز الروسي إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق. وفي حال تم الانتهاء منه، فإن من شأنه أن يزيد من اعتماد أوروبا على الغاز الروسي من خلال مضاعفة الطاقة التصديرية لروسيا. والأهم من ذلك، أنه سيسمح لموسكو بالالتفاف بعيداً عن أوكرانيا بالكامل، وبالتالي حرمان أوكرانيا من مليارات الدولارات من إيرادات رسوم نقل الغاز. وفد كشف المشروع عن انقسامات عميقة بين الطموحات الاقتصادية للدول الأعضاء الفردية ومصالح الكتلة ككل.

ومع كل هذه العقبات، لا يزال هناك إجماع أكبر بكثير على السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، أكثر مما يعترف المحللون عادة. وعلى الرغم من التراجع عن الحركات الشعبوية ومصالح الأعمال التجارية المحلية، إلا أن الاتحاد الأوروبي ظل متمسكاً بفرض عقوبات على روسيا.

وبعد التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية والأوروبية، اتخذ الاتحاد الأوروبي أيضًا زمام المبادرة في اقتراح وتنسيق سياسة لمواجهة التضليل، مما يضع أوروبا في مقدمة الولايات المتحدة في معالجة هذه المشكلة. وعلى وجه الخصوص، بدأت دول الاتحاد الأوروبي في تبادل المزيد من المعلومات الاستخباراتية، وتوسعت فرق العمل التي تراقب وتكشف التضليل الروسي.

وبقي الاتحاد الأوروبي ثابتًا في محاولاته لإبقاء الصفقة النووية الإيرانية حية، ضد الاعتراضات الأمريكية، وإقناع طهران بالبقاء ممتثلة للصفقة ولحماية الشركات الأوروبية التي تتعامل مع إيران، وسعى الاتحاد الأوروبي إلى إنشاء أداة مالية ذات غرض خاص، للتحايل على العقوبات الأمريكية خارج الحدود الإقليمية ضد الشركات الأوروبية التي تواصل التجارة مع إيران.

وحتى لو قامت إيران بتجديد برنامجها النووي، كما هدد الرئيس الإيراني حسن روحاني في مايو، فإن الجهد الأوروبي لإنقاذ الصفقة النووية يظهر أن القارة قادرة على اتباع سياسة خارجية مستقلة عن الولايات المتحدة.

بعد استيقاظ عنيف فيما يتعلق بالقضايا الأمنية المتنامية، من الحرب في أوكرانيا إلى الهجمات الإرهابية والحدود غير المحمية في بداية أزمة اللاجئين، بدأت الدول الأوروبية أيضًا في زيادة استثماراتها الدفاعية، مما وضع حدًا للانخفاض المستمر الذي حدث منذ التسعينات. وعلى الرغم من أن بعض الدول، ولا سيما ألمانيا، لا تزال متخلفة، فإن الاتجاهات الحديثة تشير إلى السير في الاتجاه الصحيح. ففي عام 2016، زادت 22 دولة من بين 28 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي من الإنفاق الدفاعي، وزاد الإنفاق الدفاعي للقارة مرة أخرى في العام التالي، كما أعادت ليتوانيا والسويد الخدمة العسكرية الإلزامية.

بالإضافة إلى زيادة الإنفاق على المستوى الوطني، تعمل الحكومات الأوروبية معًا لبناء صناعة دفاعية مشتركة وفعالة. وبات الإنفاق الدفاعي لأوروبا يأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، لكنه يعاني من التكرار وعدم الكفاءة. ولمعالجة هذه المسألة، في عام 2017، أنشأت الكتلة التعاون الهيكلي الدائم أو PESCO، وهو سلسلة من المشاريع المصممة لتجنب الاستثمارات العسكرية غير الفعالة أو المتداخلة، وتنسيق الجهود في الحرب الإلكترونية وأمن الطاقة. وفي نفس العام، أنشأت الحكومات الأوروبية صندوق الدفاع الأوروبي، الذي سيساعد في تمويل مشاريع الدفاع عبر الوطنية.

غير أن هذه الاستثمارات الدفاعية لن تكون دون عواقب، وكما أشار إنشاء صندوق الدفاع الأوروبي، فإن القارة تسعى لتطوير صناعة الدفاع الخاصة بها. لكن المصالح الوطنية في الاستراتيجية العسكرية لا تزال متباعدة في كثير من الأحيان.

فقد منعت ألمانيا، على سبيل المثال، الشركات المصنعة للأسلحة من تصدير الأسلحة إلى السعودية بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، بينما تواصل فرنسا النظر إلى السعودية كسوق لتصدير الأسلحة. علاوة على ذلك، ستتنافس صناعة دفاع أوروبية متنامية مع الشركات الأمريكية، مما يضيف نقطة توتر أخرى إلى العلاقة عبر المحيط الأطلسي. وتعرضت واشنطن بالفعل لانتقادات بسبب الضغط على الدول الأوروبية لشراء معدات عسكرية أمريكية الصنع. وفي مارس الماضي، أوضحت وزيرة الدفاع الفرنسي فلورنس بارلي، أن بند الدفاع المتبادل في معاهدة الناتو لا يتطلب من الدول الأوروبية شراء طائرات مقاتلة أمريكية، وقالت مازحة: “إنها تسمى المادة 5، وليس المادة F-35”.

ومع ذلك، فإن المخاوف الأمريكية من أن الدفاع المحلي الأوروبي، يتعارض مع الناتو، أمر مبالغ فيه. وتهدف جهود أوروبا، إلى معالجة أوجه القصور في المناطق التي أصبحت ضعيفة بسبب انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة.

لقد بذل القادة الأوروبيون قصارى جهدهم للتأكيد على أن محاولات دمج الدفاع الأوروبي، ستقوي حلف الناتو بدلاً من أن تنافسه. في الواقع، لقد تم تجديد التحالف منذ عدوان روسيا على أوكرانيا. وقد نفذت عمليات للإشارة إلى التزامها بحماية أوروبا الشرقية، وأعدت قوات سريعة الاستجابة لدعم الجناح الشرقي لحلف الناتو. كما أعاد الناتو التركيز على مهمته الأساسية: الردع الجماعي لحماية أراضيه. وعلى الرغم من رفض ترامب العلني للتحالف، رفعت إدارته الإنفاق على مبادرة الردع الأوروبية، التي تخدم بوضوح غرضًا مشابهًا لهدف الناتو، إلى 6.5 مليار دولار في السنة المالية 2019، بزيادة قدرها أكثر من 3 مليارات دولار في غضون عامين.

سياسات القوة:

فيما يتعلق بالدفاع، ينبغي أن تواصل أوروبا الاستثمار في حلف الناتو، وتطوير سياسة خارجية تضع المصالح الأمنية فوق نفور القارة من الاشتباكات العسكرية الأجنبية. وأكثر فأكثر، ستحتاج أوروبا إلى إرسال قوات إلى الخارج لتأمين نفسها، من خلال استقرار محيطها والمناطق المجاورة.

وعلى سبيل المثال، تظل منطقة البلقان بمثابة صندوق صغير، خاصة وأن بعض الدول -آخرها مقدونيا الشمالية- ستنضم إلى الناتو، بينما تسعى دول أخرى، مثل صربيا، إلى تأييد روسيا. كما لا يزال الوضع في سوريا هشًا، وإذا اندلعت الحرب هناك، فقد يتعين على أوروبا التفكير في التدخل العسكري لتجنب موجة أخرى من اللاجئين.

إن مفهوم الحكم الذاتي الأوروبي، لا يقاس من حيث الدفاع والأمن وحدهما، ولا ينبغي لأوروبا أن تتورط في الجوانب التقنية لسياسات المشتريات الدفاعية، أو أن تسعى لخلق ثقل موازن للقوة العسكرية الأمريكية. وبدلاً من ذلك، يجب أن تزيد الاستراتيجية الأوروبية الجديدة من تلك المجالات التي يتمتع فيها الاتحاد الأوروبي بالفعل بميزة عالمية نسبية: وزنه الاقتصادي، وعملته الموحدة، وقوته السياسية والناعمة.

ولاستخدام هذه المزايا إلى أقصى حد، سيحتاج الأوروبيون إلى التوفيق الفكري بين أنفسهم وقوتهم، وهو اقتراح صعب بالنسبة للقارة، حيث توصلت عدة أجيال من صانعي السياسات، المحميين بمظلة الأمن الأمريكية، إلى تعريف أنفسهم بمفهوم يمكن أن يجعل التعاون التقني أن يحل ببساطة محل علاقات القوة على الساحة الدولية. ويحب الاتحاد الأوروبي أن يفكر في نفسه كقوة معيارية، وأن يستفيد من خبراته التنظيمية وسوقه الموحدة الواسعة والمتكاملة، بهدف تشكيل القواعد العالمية المتعلقة بكل شيء، من الحماية البيئية إلى خصوصية البيانات.

وخصوصاً أن الشركات الأمريكية قد تبنت شروط اللائحة العامة لحماية البيانات، ويبين قانون خصوصية البيانات الطموح للاتحاد الأوروبي، مدى فعالية الكتلة في تصدير قواعدها. ومع ذلك، قلل الاتحاد الأوروبي في بعض الأحيان من أهمية القوة الصلبة في دعم القوة الناعمة. فعندما كانت بروكسل تتفاوض على اتفاقية تجارة حرة مع أوكرانيا في عام 2014، أرسلت في جوهرها الاقتصاديين ذوي النوايا الحسنة إلى منطقة صراع جيوسياسي حاد.

وفكّر قادة الاتحاد الأوروبي في سياسة الجوار الأوروبية، مع حزمة شاملة من الإصلاحات، كأداة بسيطة لتعزيز الحكم الرشيد في الدول المحيطة الاتحاد الأوروبي. ولكن ما فشلوا في تقديره هو أن أهمية تلك المنطقة كانت أكثر جيوسياسياً من أي شيء آخر. ورأى معظم الأوكرانيين أن الاتفاق ليس مجموعة من التعديلات الفنية بل كفرصة لترسيخ بلادهم بشكل أكمل في أوروبا وبالتالي تحدي روسيا.

وبالفعل، عندما أطاح الأوكرانيون برئيسهم بعد أن رفض التوقيع على اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي، كان رد فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، غزو أوكرانيا الشرقية، والاستيلاء على شبه جزيرة القرم. ومن سخرية القدر، ورغم كل أحاديث بوتين التي عفا عليها الزمن، والفهم المكيافيلي للسلطة، كان الرئيس الروسي أكثر انسجامًا من بروكسل، للأهمية الحقيقية للأدوات التكنوقراطية للاتحاد الأوروبي.

إن دعم أوروبا الخجول لأوكرانيا، حتى بعد أن احتج الأوكرانيون – وفي بعض الحالات قتلوا وهم يلوحون بعلم الاتحاد الأوروبي، من المحتمل أن يكون قد شجع موسكو على غزو أوكرانيا، والتدخل في سوريا، والتدخل في العديد من الانتخابات الغربية. وبدلاً من الوقوف متفرجين، كان ينبغي على أوروبا أن ترى في ثورة Euromaidan فرصة لاتخاذ موقف مبدئي ضد روسيا.

ويجب أن تتضمن جهود أوروبا للتصالح مع القوة فهمًا للدور الجيوسياسي الذي يمكن أن تلعبه السوق الموحدة في ضمان السيادة الأوروبية. فمن كسر احتكارات الغاز الروسية إلى عرقلة الاستثمارات الصينية، يمكن للمفوضية الأوروبية استخدام أدواتها التنظيمية البيروقراطية لضمان ألا تكون أوروبا مجرد مسرح لأفعال القوى العظمى المفترسة. وللقيام بذلك، سيتعين على المشرعين التغلب على ارتباطهم العقائدي بالانفتاح، ووضع دفاع أكثر واقعية عن المواطنين الأوروبيين في صلب السياسات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي.

الأمر نفسه ينطبق على قوانين الهجرة واللجوء، ومن شأن الضوابط الحدودية الأكثر صرامة، وهي الركيزة الأساسية للسيادة، أن تساعد في سد الفجوة بين بروكسل والمواطنين في جميع أنحاء القارة، والكثير منهم قلقون من أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي لم تكن قادرة على حمايتهم ضد ما يرون أنهم مهاجرون جامحون.

لا مزيد من الحنين إلى الماضي:

بقدر ما يتعلق الأمر بواشنطن، فإن تمتع أوروبا بحكم ذاتي أكبر يعني حتماً المزيد من الصداع والخلافات، وتأمل الجهود الأوروبية التحايل على العقوبات الأمريكية على إيران. وعلى الرغم من أن هذه المساعي رمزية إلى حد كبير في هذه المرحلة، إلا أنها قد تؤدي إلى محاولة أكثر طموحًا للترويج لليورو كعملة احتياطية بديلة، مما يقلل من اعتماد الأوروبيين على الدولار الأمريكي والنظام المالي الأمريكي.

هذا من شأنه أن يجبر الولايات المتحدة على الاعتماد بشكل أقل على القوة الغاشمة لهيمنتها المالية والمزيد من الدبلوماسية والإقناع، وهو الدافع الذي يعتبر لعنة في الثقافة الدبلوماسية الأمريكية. ومع ذلك، هذا هو الثمن الذي يدفعه المرء لوجود حلفاء جديين وموثوقين. ومن غير الواقعي أن نتخيل أنه بعد مطالبة شريك بتولي جزء أكبر من أمنه الخاص، فإن اهتماماتك ستتلاشى بشكل سحري. فلا يمكن لواضعي السياسات في الولايات المتحدة ببساطة أن يتوقعوا من أوروبا أن تزيد من إنفاقها الدفاعي وأن تظل سلبية من الناحية السياسية.

والخبر السار هو أن رغبة أوروبا في زيادة ثقلها، ينصب نحو ضمان علاقة جديدة عبر الأطلسي، وسيخفف من الإحباط والاستياء الذي أثاره الركوب المجاني على الجانب الأمريكي وعلاج الضعف والاعتماد على الجانب الأوروبي.

في العديد من الحالات، ستستفيد الولايات المتحدة بشكل كبير من الجهات الفاعلة الأوروبية التي تدافع عن أمنها بمفردها في المناطق التي تكون هامشية لمصالح الولايات المتحدة. ودعم الولايات المتحدة للعمليات التي تقودها فرنسا ضد الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة في الساحل، على سبيل المثال، دليل على أن القيادة الأوروبية يمكن أن تخدم الولايات المتحدة بشكل جيد.

ونظراً إلى أن الرأي العام الأمريكي لم يُبدِ إلا رغبة قليلة للانخراط بشكل أكبر في نزاعات الشرق الأوسط، فإن وجود قدرة أوروبية أكبر على تعزيز الاستقرار في منطقة غالباً ما تؤثر فيها أوروبا مباشرة في مشاكلها، سيسمح لواشنطن بأن تقود من الخلف.

وقبل كل شيء، يجب على صانعي السياسة على جانبي الأطلسي تعديل توقعاتهم، وتخفيضها، فلن تكون أوروبا أبداً مركزية بالنسبة للولايات المتحدة كما كانت من قبل، وستضطر إلى التركيز على ضمان بقاء نموذجها الخاص، قبل المطالبة بالطموحات العالمية. فيما يتوجب على الولايات المتحدة مساعدة الأوروبيين في هذا التعهد قدر المستطاع.

لكن إدارة ترامب، بموقفها الصدامي، أسقطت بالفعل بعض التأثير الذي اعتادت عليه واشنطن، من خلال التخلي عن دورها في بناء ثقة بين الأوروبيين، ومع قرار المملكة المتحدة مغادرة الاتحاد الأوروبي، وفقدان حليفها التاريخي داخل المجتمع، شهدت الولايات المتحدة على تلاشي معظم قدرتها على تشكيل نتائج إيجابية في أوروبا.

وبدلاً من ذلك، ركزت على بناء علاقات ثنائية قوية مع فرادى الدول، مثل ألمانيا في عهد أوباما وبولندا في عهد ترامب. وفيما قد لا يوصف رئيس أمريكي جديد الاتحاد الأوروبي بأنه “عدو”، كما فعل ترامب، ولكن من غير المرجح أن يترجم مجرد الاهتمام بخدمة القيم المشتركة والتاريخ المشترك إلى استعداد متزايد لحماية المصالح الأوروبية.

هنا، يجب على المراقبين ألا يرثوا هذا الوضع، وألا يتوقوا للعودة إلى ما كان عليه الحال، وإذا تمكنت أوروبا من اختيار طريقها، فستنضج العلاقة بين ضفتي الأطلسي إلى تحالف أكثر توازناً. وبحلول عام 2030، قد يكون حلف الناتو أقوى وأكثر قدرة مما هو عليه اليوم. فيما يمكن للاتحاد الأوروبي القيام بعمل عسكري لإنهاء الحروب المستقبلية على أطرافه. ويمكن أن يستثمر في بيلاروسيا ومولدوفا وأوكرانيا ومنطقة البلقان، مما يوقف النفوذ الصيني والروسي هناك.

ومن تطوير أفضل الممارسات لاستخدام الذكاء الاصطناعي، إلى الاستجابة للممارسات التجارية الصينية غير العادلة، إلى مكافحة تغير المناخ، لا تزال الولايات المتحدة وأوروبا معًا، في مسار لا غنى لأحدهما عن الآخر، عندما يتعلق الأمر بصياغة قواعد المستقبل.

من غير المرجح أن يبدو التحالف عبر المحيط الأطلسي كما كان من قبل، وقد يكون هناك المزيد من المسافة وعدم الثقة، غالبًا ما ينفصل الأشقاء عند بلوغهم سن النضج، ويتخذون خيارات مستقلة، ويختارون شركاءهم بشكل منفصل، بل ويتقبلون وظائف لا يوافق عليها الآخر بالضرورة. ولكن في النهاية، فإن الروابط التي تربط أقوى من الخيارات الفردية التي تقسمهم.

 

الكاتبان: ألينا بولياكوفا وبنيامين حداد.

ترجمة: د. عبد القادر نعناع

 

للعودة إلى النص الأصلي، انظر:

Alina Polyakova And Benjamin Haddad, “Europe Alone: What Comes After the Transatlantic Alliance”, Foreign Affairs, July/August 2019.

Or Look At:

https://www.foreignaffairs.com/articles/europe/2019-06-11/europe-alone

2 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق