الملف الإيرانيشؤون دولية

إيران الخاسر الأكبر من خلق الفوضى في مضيق هرمز

يتمتع مضيق هرمز بأهمية استراتيجية في مجال حركة السفن التجارية وناقلات النفط والملاحة البحرية بشكل عام، غير أن ازدياد الأنشطة التخريبية فيه، وتهديد طهران مرات عديدة بإغلاق هذا الممر، أفقده جزءاً كبيرا من أهميته الاستراتيجية إقليميا وعالميا، وطرح ضرورة دولية تقتضي تحرير هذا الممر الهام من قبضة الحرس الثوري، والظروف الحالية التي تسيطر على المضيق باعتباره نقطة ارتكاز التوتر بين إيران والدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وما جرى من ممارسات إيرانية في حق ناقلات النفط العالمية، تؤكد على هذه الضرورة وتعجل بالفعل إنهاء السيطرة الإيرانية على هذا الممر الاستراتيجي.

وعلى أقل الاحتمالات، فإن تهديد إيران المستمر لأمن واستقرار هذا المضيق، سيغير النظرة العالمية إليه كليا، ويفقده قيمته الاستراتيجية، عن طريق العمل على نقل النفط وتسيير السفن التجارية دون الحاجة إلى العبور من هذا المضيق، وذلك اقتداء بالمملكة العربية السعودية التي بدأت منذ سنوات بتنفيذ برامج فعلية للاستغناء عن مضيق هرمز عبر مد خط أنابيب ينقل النفط السعودي من الخليج إلى البحر الأحمر دون الحاجة للمرور من هرمز، بالإضافة إلى خط أنابيب ينقل نفط الإمارات إلى ميناء الفجيرة، الذي تحول إلى أهم الموانئ في العالم بسبب ما يتمتع به من بنية تحتية متطورة وأمن واستقرار ثابت.

بالإضافة إلى ذلك، فإن دول شرق آسيا تسعى حاليا إلى إقامة موانئ خارج مضيق هرمز، لتقليل الأهمية الاستراتيجية لهذا المضيق الذي لم يعد آمنا منذ سنوات بسبب التهديد الإيراني المستمر له، والذي ألحق الأضرار بالسفن التجارية وناقلات النفط التي تعرض عدد منها للتفجير والاختطاف، ما رفع تكاليف التأمين عليها أضعافا، ولا سيما أن دول جنوب وشرق آسيا وخاصة الهند وباكستان لديها خيارات كثيرة في عملية الاستغناء عن مضيق هرمز والموانئ الإيرانية بشكل عام، فبإمكانها استبدالها بموانئ أخرى في المنطقة مثل ميناء الدقم على الساحل الجنوبي الشرقي لسلطنة عمان، والذي يحظى بموقع استراتيجي مهم واقع بين بحر عمان وخليج عدن، ومن خلالها يمكن أن تصل إلى أهم الموانئ العالمية في دولة الإمارات العربية المتحدة.

البديل الآخر لهرمز هو ميناء “جوادر في باكستان” والذي يحظى حاليا باهتمام إقليمي ودولي وخاصة من جانب الصين، ويمكن من خلال تطويره وتوسيعه أن تستغنى دول جنوب وشرق آسيا عن مضيق هرمز والموانئ الإيرانية وخاصة ميناء “جابهار” الإيراني، وحاليا برزت رغبة صينية جادة في توسيع تبادلاتها التجارية وعلاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج العربي وخاصة دولة الإمارات، وأعلنت في أكثر من مناسبة أنها ستضاعف تبادلاتها التجارية مع دولة الإمارات، بحيث تمر نحو ثلثي تبادلاتها التجارية عن طريق الموانئ الإماراتية، مستغنية بذلك عن طموحاتها بتوسيع وتطوير ميناء “جابهار” الإيراني، واختيار الابتعاد عن التجارة مع إيران بسبب التهديدات الأمنية المستمرة في مضيق هرمز من جهة وتجنبا للعقوبات الأميركية المفروضة على طهران من جهة أخرى.

وعلى ضوء ما سبق، فإن إيران هي الخاسر الأكبر من أنشطتها التخريبية في مضيق هرمز والخليج العربي بشكل كامل، فخلق التوتر فيه أو محاولة إغلاقه، يشكل بحد ذاته أكبر عقبة أمام عملية التبادل التجاري بين إيران وأهم شركائها التجاريين، ويفشل الجهود الإيرانية الرامية إلى الالتفاف على العقوبات الأميركية والاستمرار في تصدير نفطها ولو بكميات قليلة، كما أن ذلك سيكون له أثر سلبي كبير في العلاقات بين إيران والدول التي لا تزال تقيم معها روابط سياسية واقتصادية، وعلى رأسها العراق الذي يصدر 98% من انتاجه النفطي عبر مضيق هرمز، وكذلك الهند واليابان اللتان تعتمدان بشكل أساسي على مضيق هرمز لاستيراد احتياجاتهما من الطاقة، وستتضرر أيضا حركة عملية التبادل التجاري بين روسيا ودول وسط وشرق وجنوب آسيا، في المقابل ستلجأ العديد من الدول إلى تصدير النفط والغاز عبر الأنابيب مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وإلى استخدام موانئ أخرى في عملياتها التجارية بعيدا عن الفوضى والأنشطة الإيرانية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

22 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق