الملف الإيرانيشؤون دولية

إيران بين الخيارات الأقل خسارة

لقد بات خضوع إيران واستسلامها لإرادة المجتمع الدولي قريبا جدا وفقا لآراء العديد من الخبراء والمتابعين، بعد أن وصلت الأوضاع في الداخل الإيراني إلى مستوى ينذر بوقوع زلزال اقتصادي ومالي واجتماعي ينهي عمر الفريق الحاكم لإيران، فضلا عن العزلة السياسية والوهن الاستراتيجي الذي تعاني منه طهران حاليا نتيجة للعقوبات والضغوطات الأميركية التي بدأت تتجه نحو العسكرية إذا ما أصرت إيران على سياساتها العدائية وسلوكها التخريبي في المنطقة، وتهديدها لأمن واستقرار الملاحة البحرية وخطوط إمداد التجارة الدولية.

إن نتائج المواجهة الحالية بين أميركا وإيران، باعتبارها مسألة استراتيجية هامة، باتت أكثر وضوحا أكثر من أي وقت مضى، بعد بروز العديد من المؤشرات على نجاح العقوبات الاقتصادية على طهران والحظر الأميركي على صادراتها النفطية، وذلك عكس توقعات المسؤولين الإيرانيين الذين عوّلوا من جهة على الآلية المالية الأوروبية الخاصة “إينستكس”، ومن جهة أخرى أكدوا مرارا أن صادرات النفط الإيراني لن تقل عن مليون برميل يوميا، وأن دول مثل الصين والهند واليابان ستستمر في شراء النفط، لتعلن جميع هذه الدول التزامها بالعقوبات الأميركية.

وخلال الأسابيع الماضية، ورغم ما يظهره قادة إيران من عنفوان وصلابة وتحد، إلا أن السياسة التنفيذية والسلوك الحقيقي لطهران يكشف وجود تخوف كبير لدى قادة النظام الإيراني من الدخول في إي مواجهة عسكرية معروفة النتائج والمصير، فإيران لا تمتلك القوة العسكرية الكافية التي تمكنها من الخوض في حرب عسكرية مباشرة مع جيش نظامي لأي قوة إقليمية أو عالمية، فآلياتها العسكرية مهترئة وبالية، وقواتها ودفاعاتها الجوية غير قادرة مطلقا على صد أي هجوم بطائرات أو صواريخ أميركية متطورة، وصواريخها تفتقد للتكنولوجيا الموجهة، وقدرتها التفجيرية ضعيفة جدا، لدرجة أن بعضها يمكن استخدامه كألعاب نارية في المناسبات والأعياد، وهي حقيقة يعلمها أزلام النظام الإيراني جيدا، ولهذا السبب لا يريدون الخوض في حرب عسكرية، ويلجأون في تمددهم وتهديدهم إلى أذرعهم الإقليمية أمثال حزب الله والحوثيين والقاعدة والميليشيات الطائفية في العراق.

فإيران تعلم حقائق مرعبة عن قدرات الولايات المتحدة العسكرية الذاتية والتحالفية، كما أنها تدرك جيدا أن مسألة بقاء الحرب بين أذرعها وقوى إقليمية وعالمية بعيدا عن الحدود الإيرانية أمر صعب ومستحيل في حال دفعت بهذه الأذرع الإرهابية إلى حرب بالوكالة عنها، ما يعني أن قضية حسم الحرب وفرض الاستسلام على إيران سيكون أمرا سهلا للغاية، وربما خلال أيام معدودة من بدء هذه الحرب، لأن استمرار الحرب من غير الإستسلام، سيقود إلى تدمير القوات الإيرانية البحرية والبرية والجوية بشكل كامل، وهو ما لن تسمح به الشعوب الإيرانية أصحاب الحكمة في إيران.

فضلا عن ذلك، فإن إيران تدرك جيدا أن نشوب إي مواجهة عسكرية بينها وبين الولايات المتحدة أو قوى إقليمية وعالمية، سيقود إلى تساقط أتباعها وأذرعها في المنطقة كما تتساقط أحجار الدومينو، بدأ من الميليلشيات العراقية ومرورا بقوات الأسد وحزب الله في سوريا ولبنان وحتى الميليشيات الحوثية في اليمن، ثم إن إيران تعلم جيدا أن لا حليف لها، ولن تصطف روسيا أو الصين أو أي دولة لها قوة عسكرية إلى جانبها، وأن لا تحالف إقليمي ولا دولي يمكن لطهران أن تستند إليه في أي مواجهة عسكرية محتملة مع الولايات المتحدة وحلفائها، ما يعني أن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة قد تحول في الحقيقة إلى كابوس لإيران، وليس كما يروج قادة الحرس الثوري بأنهم على أهبة الاستعداد لأي حرب.

 وبناء على ما سبق، فإن إيران التي تهدّد وتتوعد هي في الحقيقة تخشى الحرب أكثر من أي وقت مضى، لأنها تدرك نتائج هذه الحرب مسبقا، من دمار للبلاد وسقوط للنظام ثم سقوط أذرع إيران في المنطقة، من جهة أخرى، سيكون للتراجع عن المواجهة والخضوع للتفاوض مع أميركا – حتى وإن تم بأساليب وطرق ملتوية وسرية لخداع الرأي العام الإيراني وأذرع طهران في المنطقة – خسارة كبيرة بالنسية للنظام الإيراني، ولا سيما فيما يتعلق بشرعية حكمه ووجوده، وقاعدته الشعبية التي تعرضت للتآكل كثيرا في الآونة الأخيرة.

النتيجة أن إيران تعلم جيدا أن المواجهة صعبة جدا، بل أنها مستحيلة، ولا يمكنها الصمود أمام حرب اقتصادية داخلية وحرب عسكرية خارجية، وينبغي عليها أن لا تراهن أو تنجر وراء تهور بعض قادة الحرس الثوري والتيار المتشدد، فهي ليست في موقع يسمح لها الاختيار بين الأرباح، بل أنها باتت في موقع يفرض عليها أن تختار بين أقل الخسائر، بعد أن أوصلها أصحاب القرار إلى هذه النقطة نتيجة السياسيات الخاطئة داخليا وخارجيا.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

2 يونيو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق