آراء

إيران تقرع طبول الحرب بقشة الغريق!!

منذ اتخاذ قرار التصعيد في مواجهة الضغوط الدولية، في أروقة صناع القرار الإيراني، كانت أهم خطوة في ذلك، هي تفويض الحرس الثوري لإشعال حرب عسكرية في المنطقة، بدأت باستهداف سفن وناقلات نفط في مياه الخليج العربي، ثم استفزاز الولايات المتحدة بإسقاط طائرة مسيرة ومحاولة استهداف بعض المقار الأميركية في العراق، وأخيرا وليس آخرا احتجاز ناقلة النفط البريطانية ” stena impero” والتي جاءت بأوامر مباشرة من المرشد الإيراني علي خامنئي أثناء خطابه الأسبوع الماضي أمام أئمة الجمعة في طهران، والذي أعلن صراحة أن احتجاز بريطانيا لناقلة النفط الإيرانية “غرايس1” لن يبقى دون رد.

وبالفعل قامت قوات الحرس الثوري الإيراني، وامتثالا لأمر المرشد، باحتجاز ناقلة نفط بريطانية عن طريق استخدام قوة عسكرية جوية وبحرية، إذ أظهر مقطع فيديو نشره الحرس الثوري الإيراني قيام قوات إيرانية خاصة بعملية إنزال على ظهر ناقلة النفط البريطانية باستخدام مروحية بعد أن طوقتها زوارق إيرانية عسكرية تابعة للحرس الثوري واقتادتها بالقوة إلى السواحل الإيرانية، وبعد ذلك اتهمت إيران الناقلة بمخالفة قوانين الملاحة الدولية، وأنها كانت تسير بالاتجاه المعاكس للسفن في مضيق هرمز، وكادت أن تصطدم بأحد الزوارق الإيرانية، وهي حجة واهنة لم يتقبلها المجتمع الدولي الذي أمطر طهران بوابل من الانتقادات والتنديدات والتهديدات.

وقبل القيام بهذا الفعل، لم ينظر صناع القرار في طهران إلى أضراره وما قد ينتج عنه من تداعيات خطيرة على إيران ونظامها، بل نظروا إليه من زاوية بعض الدوافع والأهداف الضيقة، وعلى رأسها:

أولا: الحفاظ على ماء الوجه بعدما شعر النظام الإيراني بالإهانة أمام الرأي العام الداخلي بعد احتجاز ناقلة النفط الإيرانية في جبل طارق، وما أشارت إليه هذه العملية من فشل إيراني في الالتفاف على العقوبات الأميركية.

ثانيا: إشغال الداخل الإيراني عن التصعيد ضد النظام والحكومة، عن طريق تحويل أنظار الرأي العام من التركيز على تردي الأوضاع وسوء المعيشة، إلى تسليط الأضواء على احتجاز إيران لناقلة نفط بريطانية باعتباره عمل بطولي.

ثالثا: خلق التوتر وتقويض الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي، ومحاولة إشعال حرب قد تخرج النظام الإيراني من مأزقه السياسي والاقتصادي بأي ثمن كان، وهو الخيار الذي تسعى وراءه طهران كرد على تصفير صادراتها النفطية بتهديد ناقلات النفط العالمية وعرقلة حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز ومياه بحر الخليج، وقد جاءت عملية احتجاز ناقلة النفط البريطانية كجزء من الاستراتيجية الإيرانية الهادفة إلى منع تصدير النفط عبر مضيق هرمز بأساليب عديدة أهمها استهداف وتفجير وخطف الناقلات، وربما لاحقا إغراق ناقلات نفط عملاقة كمحاولة لإغلاق مضيق هرمز وعرقلة سير السفن التجارية وناقلات النفط العالمية.

رابعا: الدفع نحو مواجهة عسكرية قد تشكل خطرا وتهديدا على الدول الأوروبية والولايات المتحدة ما سيجعلها – من المنظور الإيراني – تضطر للتفاوض مع إيران لوقف الحرب، وهو ما سيعزز من قدرة إيران التفاوضية.

خامسا: أرادت إيران من هذا الإجراء نقل رسائل بروباغندية إلى دول إقليمية وعالمية مفادها أن إيران تصر على إشعال الحرب، وأخرى إلى أذرعها في المنطقة مفادها أن طهران لا تزال قوية وقادرة على المواجهة والصمود.

هذه الممارسات لا تشير مطلقا إلى وجود أي تفكير استراتيجي سليم تسير عليه طهران في تعاملها مع الأزمة الراهنة، بل كانت سببا في زيادة عزلتها واتساع رقعة توجيه الانتقادات الدولية لها، فضلا عن تأثيرها السلبي على أمن واستقرار المنطقة والتنمية الاقتصادية والتجارية فيها، لأن أهدافها ومآلاتها تلحق الأضرار بالمصالح الإقليمية والعالمية، وأصبح المجتمع الدولي ينظر إلى هذه الأنشطة على أنها أعمال انتحارية وتخريبية يسعى من وراءها النظام الإيراني إلى تهديد العالم أجمع، عبر استعراض العظلات في الممرات المائية وخاصة مضيق هرمز، ما قد يؤدي إلى اندلاع الحرب، لأن إيران تعلم جيدا أن الولايات المتحدة وحلفاءها لن يتراجعون عن استراتيجية ممارسة “أقصى الضغوط” على طهران ما لم تتراجع عن سياساتها التخريبية وطموحاتها النووية، وتوقف دعم الإرهاب والجماعات المتطرفة، وتنهي تدخلاتها في شؤون الدول الأخرى.

وما نلحظه الآن، هو خطأ كبير في الحسابات وسوء تقدير أكبر من الجانب الإيراني، قد تكون نتيجته السير نحو مواجهة عسكرية في المنطقة، أحد أطرافها، وهي إيران، ليس لديها 1% من قوة الطرف الآخر العسكرية والتقنية والاقتصادية، خاصة أن ما يجري الآن هو إعادة تموضع أميركي وبريطاني هدفه كبح جماح أي طوح إيراني في إشعال فوضى في المنطقة، وإفشال كافة مخططات الحرس الثوري في استهداف بعض مصالح الدول الإقليمية والعالمية، عن طريق تعطيل القدرات الإيرانية العسكرية وإبطال مفعول قوتها الصاروخية وإجهاض محاولات أذرعها الإقليمية خلال الساعات الأولى من اندلاع أي حرب أو مواجهة محتملة، وهو السبب وراء تصعيد إيران لأنشطتها الاستفزازية في المنطقة، بهدف تسريع إشعال الحرب قبل استفحال الضعف الإيراني، وتمكن أميركا وحلفائها من إعادة تموضع في المنطقة تشل كافة القدرات الإيرانية العسكرية وتطوق أنشطة أذرعها الإقليمية.

 

مدير مركز المزماة: إبراهيم المقدادي

21 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق