آراء

احتجاز ناقلة النفط الإيرانية في جبل طارق: الرسائل والمؤشرات

ردود أفعال إيرانية، مفرغة من حدتها النارية المعتادة، على حادثة احتجاز بريطانيا لناقلة النفط الإيرانية “غريس1” التي كانت متجهة إلى مصفاة بانياس في سوريا لتفريغ مليوني برميل من النفط الإيراني الخام، إذ أعلنت لندن أن سبب الاحتجاز هو انتهاك إيران وسوريا للعقوبات الدولية، وبعد ذلك، وصفت الأوساط الإيرانية الرسمية والإعلامية هذا العمل بالعدائي وغير القانوني، وأكدت أن هذه الحادثة تمثل تصعيدا بريطانيا يتناغم مع التوجهات والسياسات الأميركية ضد إيران، ما يمكن اعتباره بمثابة الرصاصة الأخيرة للاتفاق النووي، وإغلاقا لأي مسار نحو التفاوض بين إيران والدول الأوروبية.

ردة الفعل الإيراني الأولية، والتي بدت متخبطة للغاية باستدعاء السفير البريطاني لدى طهران، أشارت إلى أن هذا الفعل لم يكن متوقعا لدى صناع القرار في إيران، وأنه شكل صدمة كبيرة لهم، باعتباره فشلا إيرانيا للالتفاف على العقوبات الأميركية، وإغلاق الطرق أمام الآليات والخطط الإيرانية الهادفة إلى كسر العزلة واستمرار التواصل التجاري مع المجتمع الدولي رغم العقوبات الأميركية، بعد أن أكدت طهران مرات عديدة من قدرتها على مواجهة العقوبات والضغوط الأميركية عبر طرق الالتفاف عليها، والتي تعتبر المنفذ الوحيد لمأزق النظام الإيراني المالي، فإذا أغلق هذا الطريق يعني أن الاقتصاد الإيراني سينهار خلال أشهر قليلة.

وحول تداعيات هذا الحدث وانعكاساته المستقبلية، فإن إيران خاوية اليدين، وعاجزة تماما عن الدفاع عن نفسها واسترداد حمولاتها النفطية، ولا تملك أي أوراق ضغط أو مساومة، باستثناء قضية  المعتقلة البريطانية من أصول إيرانية “نازنين زاغري”، التي قد تفرج عنها طهران مرغمة مقابل الإفراج عن ناقلة النفط، ولا يلوح بالأفق حتى الآن أي بوادر لحل هذا النواع القانوني، حتى لو قامت طهران بتقديم شكوى ضد بريطانيا إلى المحافل والمحاكم الدولية والأمم المتحدة.

وتكشف هذه الحادثة عن عدة حقائق أهمها غزارة الأدوات وأوراق الضغط التي يمتلكها الغرب مقابل وهن إيراني يتزايد يوما بعد يوم في ظل العقوبات القاسية المفروضة على طهران من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية، فهي في حقيتها تكشف الخواصر الإيرانية الرخوة في الاتفاف على العقوبات ومواجهة الضغوط الدولية، وتبعث برسالة مهمة إلى طهران مفادها أن هناك طرق وأدوات كثيرة ومتعددة غير الحرب العسكرية تجبرها على تغيير سلوكها ووقف سياساتها العدائية والتخريبية في المنطقة، فهناك مساحات واسعة للضغط على طهران وإجبارها على التخلي عن سياساتها وطموحاتها النووية دون الحاجة إلى خوض حرب أو توجيه ضربة عسكرية قد يستغلها النظام الإيراني لإطفاء نيران الداخل المشتعلة.

كما أرادت بريطانيا من هذه الواقعة معاقبة إيران بسبب خفض التزاماتها بالاتفاق النووي، وتحذيرها من مغبة انتهاك الاتفاق أو الخروج منه والعودة إلى نقطة ما قبل الاتفاق النووي، ومواجهة عقوبات خانقة من قبل المجتمع الدولي بأكمله، واحتجاز جميع ناقلات النفط والسفن الإيرانية التجارية أينما تواجدت، لا سميا إذا استمر الحرس الثوري في استهداف خوط إمداد النفط العالمي في بحر الخليج العربي، أو محاولة القفز على أي معاهدة دولية عبر السعي إلى الوصول إلى أسلحة نووية، أو افتعال حرب في المنطقة لتهديد المصالح الإقليمية والعالمية.

وهذا التناغم الأميركي البريطاني ضد إيران، يدل على مفهوم أوسع يشمل وجود توافق أوروبي أميركي في اتباع سياسة الحد الأقصى من الضغوط على طهران، وفشل الأهداف الإيرانية في إحداث أي شرخ في المواقف بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة، هذا في حين أن الاصطفاف الدولي ضد إيران يتزايد في قضايا أخرى مثل حقوق الإنسان والتدخلات والأعمال التخريبية التي كان آخرها تفجير ناقلات النفط في ميناء الفجيرة في بحر عمان، ومهاجمة الحوثيين لمحطتي ضخ نفط في السعودية، وإطلاق قذيفة كاتيوشا على السفارة الأميركية في العراق وغيرها.

مدير مركز المزماة: إبراهيم المقدادي

7 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق