الاتفاق النووي الذي اذكى الإرهاب في حالة انهيار

 فشل الوفد الإيراني المشارك في اجتماعات نيويورك في تحقيق أدنى ما كان يروج له المسؤولون الإيرانيون طيلة الأسبوع الماضي، وأغلق الجميع مسامعه أمام الخطابات والتصريحات الإيرانية التي عكست زيف وبطلان السياسة والدبلوماسية الإيرانية، وكشفت عن التصور الحقيقي لأصحاب القرار في طهران، ولا أدل على ذلك من تهديد الدول الأوروبية الانسحاب من الاتفاق النووي إذا ما نفذت إيران تحذيراتها بشأن “تقليص أكثر” لالتزاماتها بالاتفاق النووي.

لقد أشرنا منذ اللحظة الأولى من توقيع الاتفاق النووي بين إيران والمجموعة الدولية، أن هذه الصفقة لن تدوم طويلا، وعمرها لن يتجاوز البضعة سنين، لوجود عيوب كارثية كبيرة فيها من جهة، وعدم الثقة بالنظام الإيراني من حيث الالتزام ببنود هذه الاتفاقية من جهة أخرى، لما له من تاريخ إدمان على نقض العهود وتجاوز الخطوط الحمراء في تدخلاته وتماديه على القوانين والاتفاقيات والعهود الدولية.

واليوم أصبح الجميع على قناعة أن لا داعي للبقاء في هذا الاتفاق الذي ساهم إلى حد كبير في توسيع أنشطة إيران الإرهابية في المنطقة، فإيران أعلنت للمرة الثالثة تقليص التزاماتها ببنود الاتفاق، لدرجة وصلت فيها إلى انتهاك صارخ وصريح لهذا الاتفاق، ولا تزال تهدد بمزيد من الانتهاكات، في وقت أعلنت فيه الدول الأوروبية أن لا داعي للبقاء إذا أصرت إيران على انتهاك الاتفاق النووي، وهددت بالانسحاب منه وعدم الرغبة في البقاء فيه في حال بدأت إيران خطوتها الرابعة من خفض التزاماتها النووية، وأدركت بريطانيا وفرنسا وألمانيا أن لا أمل في الاستمرار في الاتفاق النووي بشكله الحالي بعد فشل مساعيها في فتح سبل مالية مع إيران من جهة، وفشلهم في إرضاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب من جهة أخرى، وبعد أن كان الأوروبيون يسيرون في خط الحفاظ على الاتفاق النووي عن طريق الالتفاف على العقوبات، بدؤوا الآن ينحازون للطرف الأميركي ويلقون اللوم على الطرف الإيراني ويبحثون في خطة عمل مشتركة شاملة جديدة ضد إيران، وهو ما يعني فشل السياسة والدبلوماسية الإيرانية في الحفاظ على الاتفاق النووي، وأن هذا الاتفاق بات في أيامه الأخيرة، وأن بقاء إيران فيه لن يغير من الموقف الأوروبي الذي أصبح يميل نحو الموقف الأميركي.

ثمة تغيير حقيقي في الأجواء السياسية للترويكا الأوروبية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) تجاه التعامل مع السلوك الإيراني، ولا سيما بعد الهجمات التي استهدفت المنشآت النفطية السعودية، والتي أكدت عدة جهات تورط إيران فيها بشكل مباشر، ما دفع دول الترويكا الأوروبية لمطالبة إيران بضرورة التخلي عن سياساتها العدائية وتدخلاتها في شؤون المنطقة والالتزام بالاتفاقيات والقوانين الدولية، وهي رسالة تحذيرية تحمل معان ورسائل سياسية كبيرة أهمها أن إصرار النظام الإيراني على هذه السياسيات العبثية سيؤدي إلى فرض عقوبات قاسية جديدة على إيران وتشديد عزلتها سياسيا واقتصاديا، وهو الهدف الذي تسعى إليه الولايات المتحدة كأفضل خيار لتغيير النظام الإيراني من الداخل عبر تفجير ثورة شعبية وانتفاضة جماهيرية ضد النظام الحاكم لما تسببت به سياساته من أزمات ومشاكل داخلية وخارجية خانقة.

وإذا أعلنت الدول الأوروبية انسحابها من الاتفاق النووي، فإن ذلك يعني انهيار هذا الاتفاق بشكل رسمي،  ما سيؤدي إلى انتقال ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي، وإعادة فرض العقوبات السابقة على طهران، واستئناف العقوبات الأوروبية إلى جانب العقوبات الأميركية وتشديدها، وبعد ذلك سيتحول الموضوع إلى قضية احتمالية تطوير إيران لأسلحة نووية، وإذا سلكت طهران هذا الطريق بالفعل، فبطبيعة الحال ستواجه ردود فعل دولية شديدة، تضطر خلالها روسيا والصين الانضمام إلى المجتمع الدولي في عدم السماح لإيران بالوصول إلى الاتفاق النووي.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

29 سبتمبر 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق