التدخلات والرشاوي .. جناحا السياسة الخارجية لقطر

تحلق السياسة القطرية في سماء العلاقات الخارجية بجناحي التدخلات والرشاوي، لتلقي بظلالها الكارثية على أمن واستقلال الدول، ولاسيما المجاورة منها، بغية إضعافها وتعزيز النفوذ القطري والإخواني فيها، لدرجة يمكن القول معها أن قطر وصلت إلى حد الإدمان المزمن على التدخلات وشراء الذمم والمواقف، وأصبح هذان العنصران جناحي الدوحة التي لا يمكن لها أن تحلق في علاقاتها وممارسة سياساتها مع دول العالم دون أي منهما.

يفتقر النظام القطري إلى المقومات الهامة والسليمة للعب أي دور سياسي مؤثر إقليميا أو عالميا، فلم تستطع رموزه إثبات نفسها لدى أصحاب القرار في دول العالم ولاسيما الدول الأكثر تأثيرا، وأخفقت الدوحة في علاقاتها مع العديد من دول العالم، ويعود السبب في ذلك إلى ضعف إدارة شؤون البلاد وسوء التقدير، وهيمنة من لا كفاءة له على السلطة والتحكم بقراراتها، فضلا عن وجود مستشارين وصوليين يعملون لأجل إرضاء الأمير والحصول على طائل الأموال، فكان ولا يزال المعيار الوحيد للوصول إلى تقليد المناصب هو الولاء المطلق والأعمى للأمير والتصفيق له، وهذا السبب جعل قطر تواجه تحديات كبيرة في صياغة سياساتها وعلاقاتها الخارجية التي أصبحت مرهونة بيد من يفتقدون الخبرة والكفاءة.

وبعد أن فقد رموز النظام القطري الأمل في لعب دور مؤثر، وأدركوا أن قابلية المجتمع الدولي في التعامل معهم ضعيفة، بسبب ضعف سياساتهم وتخبط قراراتهم وسوء تقديراتهم، لجأوا إلى طرق أخرى لمحاولة إثبات الوجود وفرض رغباتهم وشهواتهم التي تضخمت بسبب كثرة الأموال التي حصلوا عليها من بيع الغاز، فاتبعوا سياسية تدخلية ناعمة وأخرى عنيفة في شؤون الدول، وتم تقسيم هذه الدول بناء على أساس الخوف من ردة فعلها، فانتهجت الدوحة سياسات التدخل الناعم في الدول الأوروبية وأميركا، عبر شراء مواقف بعض السياسيين وبناء علاقات غير قانونية مع أصحاب الشركات العظمى، وتقديم الرشاوي وشراء الذمم والأقلام ودعم بعض المؤسسات الإعلامية بهدف الترويج للنظام القطري وسياسياته، في حين استخدمت قطر الطرق العنيفة في تدخلاتها في الدول العربية، عبر دعم الأنشطة الإرهابية ونشر الفتن وممارسة السوك التخريبي ودعم الجماعات المعارضة للأنظمة والحكومات مهما كان توجهها، لأن الهدف هو استخدامها كأدوات ضغط وترهيب ضد المجتمعات والحكومات العربية.

وقد أوكلت مهام الشق الأول إلى الديوان الأميري ووزارة الخارجية وسفاراتها ومؤسساتها المنتشرة في الدول الغربية، أما الشق الثاني فإن الجهات المسؤولة عن تنفيذه هي الاستخبارات والجيش والأذرع الإرهابية التابعة للدوحة، والتي لعبت دورا أساسيا في التقارب القطري مع أنظمة وتنظيمات إرهابية كالنظام الإيراني وأردوغان وتنظيم الإخوان.

تطلب هذا التقسيم من النظام القطري جهودا كبيرة لحفظ التوازن بين صلاحيات مؤسسات الدولة ومنع أي تقاطع في المهام أو الواجبات، لكنها لم تستمر طويلا بفعل تضارب الصلاحيات وتداخل المهام بعد حدوث تخبط في السياسة الخارجية انتجت تناحراً على الأدوار والمهام وتوزيع الموارد المالية، ومع حاجة كل طرف للأموال المهدورة على تنفيذ أجندات السياسة القطرية الناعمة والعنيفة، برزت حالة من الخلاف بين جناحي السياسة القطرية تتصاعد يوما بعد يوم حول أهمية العمل الموكل لكل طرف وأفضليته على الطرف الآخر وحصص الأموال التي يحتاج إليها، وإلى الجانب الآخر، فإن سياسة اللعب على التناقضات التي تنتهجها قطر، ولاسيما في علاقاتها مع إيران والولايات المتحدة، تتطلب منها أيضا المحافظة على توازن صعب للغاية في ظل التوتر المتصاعد بين الطرفين، والذي يضع الدوحة في مأزق الحاجة إلى ضخ مزيد من الأموال في دعم الإرهاب لإرضاء إيران والإخوان وأردوغان، وفي شراء الولاءات وعقد الصفقات لإرضاء أميركا والدول الغربية، هو ما يستنزف الخزينة القطرية بصورة متزايدة تهدد الاقتصاد القطري بأكمله.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

23 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق