التطورات في إيران بين انتفاضة الشعب ومأزق النظام

 لا جدل في أن تكرار خروج مظاهرات شعبية احتجاجا على تردي الأوضاع المعيشية وسياسات الحكومة الخاطئة، أحد أهم مؤشرات اتساع الفجوة بين الحاكم والمحكوم، وعلامة بارزة على استياء الشعب من حكم النظام القائم، لا سيما إذا استمرت هذه المظاهرات والاحتجاجات وكان الفارق الزمني بينها أشهر قليلة، كما يجري الآن في إيران، التي تشهد انتفاضة شعبية أشعلها قرار الحكومة برفع أسعار الوقود بنسبة 300% لسد عجز الدولة المالي بسبب الضغوطات والعقوبات الدولية التي فرضت على إيران بسبب سياساتها التدخلية وسعيها للحصول على أسلحة نووية ودعمها للجماعات الإرهابية في المنطقة.

لقد أبى عام 2019 أن ينتهي دون إشعال انتفاضة شعبية ضد النظام الإيراني، والتي وصفت بأنها الأقوى منذ عام 2009 عندما شهدت إيران انتفاضة شعبية سميت بالثورة الخضراء احتجاجا على تزوير الانتخابات لصالح الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد، ليعقب ذلك سلسلة احتجاجات شعبية تنوعت مطالبها بين سياسية واقتصادية، ليزداد لهيبها بعد وصول الأوضاع الاقتصادية والمعيشية إلى أسوأ أحوالها منذ عقود، وفي كل مرة يرفع المتظاهرون سقف المطالب حتى وصلت إلى المطالبة بإسقاط النظام وإطلاق شعار الموت لخامنئي الذي انتشر أيضا بشكل ملفت في كافة المدن الإيرانية وهتف به المتظاهرون خلال الأيام القليلة الماضية وكتب على جدران المباني والشوارع بصورة أقلقت السلطات الإيرانية بشدة ودفعتها إلى اتخاذ العديد من الإجراءات التعسفية والقمعية مثل اعتقال المئات وإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين وقطع الإنترنت وفرض رقابة مشددة على السياسيين ونشطاء حقوق الإنسان ومنع تداول الأخبار المتعلقة بالانتفاضة الشعبية.

أدى عنف السلطات والأجهزة الأمنية في تعاملها مع الانتفاضة الشعبية إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى واعتقال المئات من النشطاء والمتظاهرين، ما أثار ردود أفعال محلية ودولية واسعة أدانت ونددت بأساليب النظام الإيراني القمعية في تعاملها مع الاحتجاجات الشعبية التي تتسع رقعتها يوما بعد يوم رغم كل الأساليب والممارسات العنيفة التي تنتهجها الحكومة الإيرانية وتهدف من خلالها إلى السيطرة على الأوضاع بالقوة.

إن تطورات الأحداث الجارية، وما يعانيه الشعب الإيراني من أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة، وتردي الوضع السياسي والاقتصادي والمالي الإيراني بشكل عام، وعدم وجود خيارات وحلول أمام الحكومة الإيرانية، يشير إلى أن النظام الإيراني سيواجه بالفعل إعصارا شعبيا جديدا لم يعرفه من قبل، ولا سيما وأن التراجع عن قرار رفع أسعار الوقود سيؤدي إلى عجز كبير في ميزانية الحكومة لدرجة خطيرة للغاية قد يترتب عليها عدم القدرة على دفع رواتب الموظفين في المؤسسات الحكومية، في حين أن الإصرار على تنفيذ هذا القرار سيزيد من التحدي الجماهيري والغليان الشعبي ضد النظام الإيراني، ما يعني أن السلطات الإيرانية تفتقد الحلول والآليات لتهدئة الشعب الثائر، وليس بيدها ما تقدمه أو تنفذه من إجراءات تحتوي بها الاحتجاجات، سوى الوعود الفارغة والتي لم تعد تلقى آذان صاغية أو أي ترحيب من قبل المواطنين لتاريخ الحكومة الأسود في عدم الوفاء بالوعود التي قطعتها منذ أعوام، كما أن المواطنين أصبحوا على يقين أن لا أمل في إصلاح الأوضاع إلا برحيل النظام ومؤسساته، وإجراء تغيير جذري على سياسات البلاد الداخلية والخارجية على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية.

يعيش النظام الإيراني حاليا حالة من الصراع مع الموت، وانحسرت الخيارات أمامه بين الاستسلام أو الانهيار، بعد أن فشل في الصمود أمام العقوبات والضغوط الدولية التي تتزايد مع استمرار طهران في تقليص التزاماتها النووية وانتهاك بنود الاتفاق النووي، وفشل الحرس الثوري في إشعال حرب في المنطقة عن طريق تنفيذ عمليات إرهابية لاستفزاز المجتمع الدولي في توجيه ضربة عسكرية لإيران قد تشكل خطرا على إمدادات النفط العالمية يجبر المجتمع الدولي على التفاوض مع إيران ورفع العقوبات.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

19 نوفمبر 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق