التوغل التركي في سوريا .. ما بين الأهداف المعلنة والأطماع الخفية

 في قرار مدروس مسبقا، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدء العمليات العسكرية في المناطق الكردية شمال سوريا، وشن عملية عسكرية في ذات المنطقة للقضاء على ما تسميه أنقرة بالتهديد الكردي للأمن القومي التركي، مستغلا الفراغ الأميركي هناك، الأمر الذي أثار حفيظة المجتمع الدولي بما فيهم حلفاء أردوغان وعلى رأسهم إيران وإن كانت تتفق مع الرئيس التركي في وأد فكرة الانفصال الكردي أينما وجدت، فإيران تعتبر الداعم الإقليمي الرئيسي للنظام الحاكم في دمشق، والذي يرفض رفضا قاطعا أي تدخل تركي في الأراضي السورية.

وما بين الأهداف المعلنة لهذا الاجتياح العسكري، ونوايا أردوغان الخفية، تتضح الصورة الأولى لحقيقة هذه المغامرة ومآلاتها وتداعياتها على المنطقة بما فيها تركيا، التي تسعى من هذه الحملة العسكرية لاحتلال مناطق جديدة بعد السيطرة على عفرين وشمال حلب، بهدف الاستيلاء عليها وإعادة تشكيل ملامحها الثقافية والاجتماعية والديمغرافية، وهو انتهاك تركي واضح وصريح للبيان الختامي لمحادثات أستانة الذي أكد على ضرورة المحافظة على وحدة الأراضي السورية، وهو ما يشير إلى ازدواجية تعامل أردوغان مع الملف السوري، ويوضح مدى الاختلاف القائم بين إيران وروسيا وتركيا رغم كثرة الاجتماعات والقمم التي عقدت خلال السنوات والأشهر الماضية.

ولا شك أن أردوغان أراد من هذا الاجتياح العسكري إطفاء نيران الداخل المشتعلة سياسيا واقتصاديا وأمنيا، حيث ستلعب هذه الخطوة دورا هاما في حرف الرأي العام المحلي عن الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعصف بالرئيس التركي وحزبه الإخواني الذي يواجه اليوم العديد من المشاكل الداخلية، أهمها خسارة حزب العدالة والتنمية رئاسات بلديات المدن الرئيسية أمام المعارضة في الانتخابات البلدية الأخيرة، إضافة إلى انشقاق شخصيات هامة من الحزب أبرزها رئيس وزرائه السابق أحمد داود أوغلو، ومساعيه في تشكيل حزب آخر معارض لأردوغان قد ينافسه في الانتخابات المقبلة، وحالة الضعف والوهن هذه التي تعصف بالرئيس أردوغان  قد تجبره على تصدير الأزمة للخارج عبر إشعال حرب عسكرية في شمال سوريا وإشعال جبهات عسكرية جديدة، هربا من المشاكل الداخلية والضغوط الأميركية، وهو ما يعتبر مغامرة خطيرة للغاية قد تؤدي إلى سقوط أردوغان وحزبه إذا ما فشلت، واستطاعت القوات الكردية تكبيد الجيش التركي خسائر كبيرة تمد العنان لهم بتحقيق أهدافهم في الاستقلال والانفصال.

يهدد هذا الاجتياح بزعزعة الوضع الأمني في شمال شرق سوريا بشكل عام، ما سينعكس سلبيا على أمن واستقرار الإقليم الذي تعتبر تركيا جزءا منه، لا سيما أن هناك آلاف المقاتلين التابعين لتنظيم داعش الإرهابي المحتجزين داخل معسكرات تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، والتي أعلنت بدورها أيضا أنها ستضطر إلى تحصين دفاعاتها على الحدود السورية التركية، محذرة من أن ذلك سيترك المعسكرات التي يحتجز فيها مقاتلي تنظيم داعش من دون الحراسة المطلوبة بسبب العدوان التركي.

إن هذا الاجتياح العسكري، سيحتاج إلى تكاليف باهضة الثمن، وسيكون له تبعات خطيرة ليست لصالح أنقرة، بما يحمله من عقبات وخيمة على مستقبل العلاقات بين تركيا والمجتمع الدولي وحتى حلفاء أردوغان في المنطقة وخاصة إيران، فبعد ساعات من الإعلان عن بدء الغزو التركي لسوريا قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن خطوة أنقرة كانت “فكرة سيئة” ولا توافق عليها الولايات المتحدة، رغم أن هناك من يؤكد أن هذا الهجوم التركي على سوريا تم بواسطة الضوء الأخضر المباشر من واشنطن، و قال “فلاديمير دجاباروف” نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان الروسي، إن بلاده لن تتورط في نزاع عسكري بين تركيا وسوريا، وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أجرى سابقا اتصالا هاتفيا مع أردوغان حذره فيه من أي عمل من شأنه أن يعطل عملية السلام، وحثه على التفكير أكثر قبل الإقدام على أي خطوة، كما عارضت وزارة الخارجية الإيرانية أيضا في بيان لها أي هجوم تركي على الأراضي السورية، بما في ذلك المناطق الكردية، وألغى علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى الإيراني زيارته إلى أنقرة بسبب الاجتياح التركي لسوريا.

وأدانت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت والأردن والعراق والجزائر وغيرها الهجوم الذي شنته القوات التركية في مناطق شمال شرق سوريا، ونظرت هذه الدول إلى الهجوم التركي على سوريا باعتباره عملا ينتهك وحدة سوريا واستقلالها وسيادتها، وقالت إن الهجوم سيعرض الشعب السوري لخطر القتل والتشرد والنزوح، ودعت الجامعة العربية إلى اجتماع طارئ، السبت، لبحث العدوان التركي على الأراضي السورية، وأدانت كل من فرنسا وبريطانيا وهولندا الهجوم التركي، محذرين من تداعياته على المنطقة، واستقرارها، وحذر الاتحاد الأوروبي تركيا من تبعات عمليتها العسكرية “أحادية الجانب” شمال شرق سوريا، مهددا السلطات التركية بقطع مساعدات مالية يقدمها لها مقابل إغلاق الحدود أمام اللاجئين السوريين، مؤكدا أنه لا يمكن تحقيق أي حل مستدام للأزمة السورية بالطرق العسكرية، داعيا تركيا إلى وقف الأعمال العسكرية أحادية الجانب على الفور، هذا في وقت يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة مغلقة لمناقشة الهجوم التركي على شمال شرقي سوري.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

10 أكتوبر 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق