شؤون عربية

الحوثيون بين تدمير وتهريب الآثار والتمترس بالسكان والمنشآت التاريخية

 

ما تزال جماعة الحوثي في اليمن تحتمي بالسكان المدنيين والمنشآت التاريخية، وتطلق النار من مناطق نفوذها وهي تتمترس داخل مبانٍ بعضها ممتلكات ثقافية وأثرية، حولتها الجماعة الموالية لإيران إلى مواقع عسكرية.

انقلب الحوثيون على السلطة الشرعية اليمنية مطلع العام 2015 وعاثوا فساداً وتخريباً في اليمن، لولا تدخل التحالف العربي، الَّذِي هبّ للقضاء عَلَى هذه الآفة الخطيرة الّتي تحمل أجندة إيرانية. وخلال خمس سنوات ظل الحوثيون يحتمون بالسكان المدنيين، وقاموا بتدمير حوالي 122 ممتلكاً ثقافياً وتاريخياً، سواءً باستخدامها لأغراض عسكرية – التمركز في مباني وقلاع تاريخية -أو باستهدافها بالتفجير، أو بالتخريب، أو بالنهب، أو بالقصف المدفعي.

شملت جرائم الحوثيين تدمير الآثار، والمعالم التاريخية، والمباني الأثرية والدينية، والحصون والقلاع والزخارف الأصيلة على جدران أماكن العبادة.

وفي إحصائية أولية ترصد حجم الخسائر التي تسبب بها الحوثيون، ثبت تعرض 122 ممتلكا ثقافيا يمنيا للتخريب أو التدمير، سواء الجزئي أو الكلي. وأكثر من 1631 قطعة أثرية نهبت أو تعرضت للإتلاف من المتاحف.

ومن المواقع الأثرية التي تعرضت للتخريب على يد الحوثيين مدينة براقش التاريخية بمحافظة الجوف -شرق اليمن- التي سيطروا عليها في البداية يوم 6 أغسطس وحولوها إلى موقع عسكري، وقاموا بإحداث فتحات على سور المدينة. وقبل انسحابهم منها، بداية شهر إبريل 2016، زرعوا فيها الألغام.

وتكتسب براقش أهمية تاريخية كبيرة كونها كانت محطة رئيسية عَلَى طريق تجارة اللبان قبل الميلاد. بالإضافة إِلَى أنها كانت ذات مكانة دينية مرموقة. ويشهد التخريب الَّذِي طال سور المدينة وزراعة الألغام فيها على الفكر الإرهابي للحوثيين وعدم اختلافهم عن فكر تنظيم القاعدة وبقية الجماعات الأشد تطرفاً.

أما في محافظة صعدة التي تعتبر معقل الحوثيين، فتوجد الكثير من القلاع والمباني التاريخية، التي تحولت بعضها من معالم أثرية إلى سجون ومواقع عسكرية يتمركز فيها الحوثيون، وأبرزها قلعة القفلة، حيث قامت جماعة الحوثي بالهجوم على الموقع ومحاصرة الحراس والاستيلاء عليه واستخدامه سجناً للمناوئين لها.

وفي صنعاء تمترس الحوثيون في الأحياء القديمة وبين بيوتها الأثرية المأهولة بالسكان. ومن ضمن الأحياء البارزة في صنعاء حي القاسمي التاريخي الذي اتخذته الجماعة بداية اجتياحها لصنعاء عام 2015م كأحد المواقع العسكرية، ويعود تاريخه إلى القرن الميلادي الأول.

كنيسة سانت

لم تسلم كنائس مدينة عدن –جنوب اليمن – من اعتداءات الحوثيين. وتمثّلت الاعتداءات الحوثية في تحطيم الكثير من المقتنيات من التماثيل والأيقونات.

بنيت كنيسة سانت في مدينة عدن بين عامي 1854 و1855، وتقع في حيّ الباردي بمديرية صيرة كريتر. وهي كنيسة ومدرسة مخصصة للراهبات، وكانت تُسمّى قديماً مدرسة البعثة الكاثوليكية الرومانية الخاصة.

وفي يوم 16 سبتمبر 2015م قامت جماعة الحوثي المسلحة بتحطيم التماثيل والأيقونات والتُّحف الموجودة بالكنسية، تنفيذاً لخطة تدمير ممنهج، وهو سلوك حوثي ترافق مع سنوات الحرب، ولغتهم التي ينفذون بها خطتهم هي الألغام والمتفجرات والقذائف العشوائية التي إذا لم تستهدف السكان فإنها تدمر المباني الأثرية عن قصد وإصرار وتعمد.

آثار في مرمى الحوثي

بني قصر دار الحجر بداية القرن الماضي في مدينة الحوطة بمحافظة لحج. في عهد سلطان لحج عبدالكريم العبدلي. ويعد أكبر وأشهر معلم تاريخي في هذه المحافظة. وعندما وصلت جماعة الحوثي إليها صباح يوم السبت 28 مارس 2015م، أطلقت إحدى الدبابات عدة قذائف أصابت إحداها الجزء العلوي من القصر مخلفة أضراراً بليغة في مبنى القصر التاريخي. وفي عصر يوم الإثنين 13 أبريل 2015، هجمت الجماعة على القصر، وأخرجت الساكنين فيه بالقوة، واستخدمته كثكنة عسكرية.

ومن المواقع التي تضررت في عدن المتحف العسكري، و”رصيف ويلز” أو كما يحلو لعدن تسميته برصيف السياح، هو من المنشآت الّتي بنتها بريطانيا أثناء مرحلة احتلالها للجنوب اليمني عام 1919م، وتعرض للتخريب والتدمير على يد جماعة الحوثي. ويقع بالقرب من مدخل الميناء الرئيسي لمدينة عدن.

وفي تعز تعد المدرسة المعتبية ثالث أكبر صرح تربوي ديني في المدينة القديمة بعد جامعي المظفر والأشرفية. ويعد تحفة تاريخية ومعلم تربوي عريق. أفاق سكان المدينة صباح يوم الأربعاء، 15 يوليو 2016م عَلَى تعرض “المعتبية” لانتهاك جسيم تمثل في قصف جماعة الحوثي للواجهة الشمالية للمدرسة بقذيفة دبابة ما ألحق أضراراً بجدرانها.

ويلاحظ أن الحوثيين يدمرون ما لا يتسق مع فكر الجماعة مثل المراكز التعليمية والتربوية. وفي 31 مارس 2017 قام الحوثيون باستحداث نقطة تابعة لهم قرب واحدة من أشهر المعالم التاريخية في تعز، وهي قبة الرميمة التي يعود تاريخها إلى القرن السابع الهجري، وتعتبر مدرسة عريقة، وتعرضت للكثير من قذائف الآر بي جي على يد الحوثيين.

أما في غرب اليمن، حيث يحاول الحوثيون التمدد في تهامة، بهدف السيطرة على كافة المديريات التابعة لمحافظة الحديدة، فقد ارتكبوا جرائم ضد السكان والآثار في مدينة زبيد، التي تعتبر أيضاً أحد معاقل العلم في اليمن، وتكتسب شهرة عربية ودولية كمركز اشعاع حضاري وتعرضت المدينة التي تحوي كنوزا من العلم والتراث مطلع العام 2016م للنهب والتخريب من قبل الجماعة. وأدت همجية الحوثيين إلى استنكار المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، التي نددت بنهب الحوثيين للمخطوطات والنصوص التاريخية والآثار الإسلامية من مكتبة زبيد.

وختاماً لا يتسع المجال لإحصاء كافة تجاوزات الحوثيين بحق الأماكن والممتلكات التاريخية والثقافية، وما استعرضه هذا التقرير ليس إلا نماذج للانتهاكات الحوثية التي وصلت أخبارها إلى الصحافة العالمية. وفي إطار تتبع جرائم الحوثيين المتعلقة بتدمير ونهب الآثار، تطرقت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها إلى عمليات تهريب الآثار من قبل ميليشيا الحوثي وتنظيم القاعدة إِلَى خارج اليمن. ومما ورد في تقرير الصحيفة الأميركية “أن مخطوطات للتوراة وخناجر إسلامية مرصعة بالذهب، ومومياء يعود عمرها إلى 2500 سنة، والكثير من الآثار القديمة نهبت من قبل الجماعة”.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى