آراء

الخدع الإيرانية تتجدد ما لم يوضع حداً لها

 كلما تشتد الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية على نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، كلما تزداد خدع هذا النظام ومراوغاته لعل الظروف تسمح له بالعبور من أزماته المتكررة ليستمر في الحكم.

وكثيراً ما تتحدث وسائل الإعلام وخصوصاً العربية منها، أن هناك صراعاً بين أجنحة النظام في إيران لاسيما الأمنية (وزارة الاستخبارات الإيرانية ومنظمة مخابرات الحرس الثوري)، وأن هذه الصراعات إذا ما تفاقمت قد ينهار النظام من الداخل. والمثير في الأمر، هناك ممن يرى أن هذه الصراعات نتيجة لسياسيات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه نظام طهران وسياساته المزعزعة لاستقرار المنطقة ودولها.

وبالنظر للعقلية الحاكمة في جغرافية إيران السياسية وسلوكها على المستويين الداخلي والخارجي، نجد هناك قصوراً في فهمها. حيث كان لهذه الخدع السياسية التي مارسها ومررها نظام الجمهورية الإسلامية طيلة هذه العقود الأربعة، بالغ التأثير في تمرير سياساته وسلوكه المخرب في المنطقة العربية والعالم عموماً. والأنكى أن بعض هذه الخدع استخدمت رأس نظام ولاية فقيه -أي “ولي أمر المسلمين”-. وبالتالي، كيف لنظام مارس ومازال يمارس الخديعة والمراوغة على مدى أربعة عقود، وهناك من يثق به!

وإذا ما استثنينا خدع نظام الجمهورية الإسلامية الداخلية على الشعوب الإيرانية باسم الإصلاح والاعتدال وغيرها من الخدع الأخرى، فإن المجتمع الدولي هو الآخر، كان له نصيب من هذه الخدع التي بات بعضها مكشوفاً على الأقل. منها تلك التي مررها صناع القرار في طهران أواخر عهد الخميني في الثمانينيات من القرن المنصرم، حيث بعث قادة طهران برسالة للإدارة الأميركية، كان مفادها أن روح الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية على وشك الموت، وطالبوا الإدارة الأميركية بدعم المعتدلين في إيران، وإذا ما تم هذا بالفعل، فإنهم قد يمسكوا بزمام الأمور. وأضافوا أيضاً، أنه إذا لم يمت الخميني سيقومون بقتله! وقد أوصل هذه الرسالة إلى الرئيس الأميركي رونالد ريغان، السيناتور الأميركي روبرت مك فارلين ومستشاره للأمن القومي.

وكذلك، تلك التي أوصلها صناع القرار في طهران إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2017 والذي تحدث عنها أبو الحسن بني صدر، أول رئيس لإيران بعد إسقاط الحكم الملكي البهلوي. وكان مفادها أن الوضع الصحي للمرشد على خامنئي يتدهور، وأن الأخير على وشك الموت. ولهذا، لابد أن يتريث الجانب الأميركي قليلاً، لأن تشديد العقوبات على طهران قد تؤدي إلى إضعاف موقف ومساعي المعتدلين في نظام الجمهورية الإسلامية الرامية إلى إصلاح بنية الدولة ومؤسساتها، وأن سياسة خليفة المرشد لن تكون على غرار سياسات علي خامنئي، وأنه على الأرجح سيكون على غرار تلك المكانة الدينية التي يتمتع بها آية الله السيستاني في العراق.

ومجيء النظام بحسن روحاني رئيساً للبلاد عام 2013، من الممكن أن نضعه أيضاً في سياق الخدع السياسية الإيرانية التي عادة ما يسعى تمريرها قادة الجمهورية الإسلامية على المجتمع الدولي بين الفينة والأخرى. وقد رفع روحاني شعار الاعتدال (الاعتدال في المواقف السياسية) ولوح بـ «المفتاح» ليحاكي الإدارة الأميركية لتذكيرها بواقعة «روبرت مك فارلين» الذي أرسله الرئيس الأميركي دونالد ريغان في الثمانينيات من القرن المنصرم إلى طهران على متن طائرة إيرلندية محملة بنماذج من الأسلحة الأميركية التي شحنت من المخازن الإسرائيلية للإفراج عن الأميركيين المخطوفين من قبل حزب الله اللبناني، والتي عرفت في ما بعد بفضيحة «إيران كونترا». حيث كلف هاشمي رفسنجاني حينها حسن روحاني ليستقبل مك فارلين والوفد المرافق له. كما أرسل الرئيس الأميركي ريغان مع مستشاره للأمن القومي مك فارلين، الكتاب المقدس (الإنجيل) الذي وقع ريغان على الصفحة الأولى منه، وقطعة من الحلوى «الكاتو» ووضع عليها شكل «المفتاح» الذي تحول إلى شعار بيد روحاني في حملته الانتخابية عام 2013. وبالفعل، بعدما فاز حسن روحاني بالانتخابات الرئاسية، دخلت إيران في مفاوضات سرية مع الولايات المتحدة الأميركية في سلطنة عمان، وتوجت هذه المفاوضات في نيسان/أبريل 2015 بتوقيع «اتفاق لوزان النووي» الذي عرف بـ«الخطة الشاملة للعمل المشترك».

وبالعودة للأوضاع الداخلية الإيرانية، فإن مؤشرات الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني في أدنى مستوياتها، وأن الاحتجاجات الشعبية لم تتوقف في عموم إيران منذ أكثر من عام على الأقل. كما أن ملفات الفساد الاقتصادي لقادة ومسؤولي نظام الجمهورية الإسلامية حدث ولا حرج. وتكليف إبراهيم رئيسي الذي كان أحد أعضاء اللجنة التي أشرفت على مجزرة السجناء السياسيين عام 1988 من قبل المرشد لمنصب السلطة القضائية خلفاً لصادق لاريجاني الذي تحوم حوله ومدير مكتبه شبهة فساد مالي ضخم، لمحاربة الفساد المالي المستشري في بنية النظام الذي بات حديث الساعة في البلاد، يأتي في إطار الخدع التي اعتاد عليها نظام الجمهورية الإسلامية لعل إبراهيم رئيسي يتمكن من تحسين صورة النظام بين الشعوب القاطنة في جغرافية إيران السياسية التي تراجعت كثيراً، وأن الثقة بينها وبين النظام وقادته، أصبحت في أسوا درجاتها لأن ريحة الفساد المالي والإداري باتت تشم من على قمم جبال زاغروس.

وبالنظر إلى هذه الخدع السياسية سواء أكانت داخلية أم خارجية، لاسيما ما قاله المرشد الإيراني عن اللقاء المحتمل بين الرئيس الإيراني ونظيره الأميركي الذي من شأنه أن يمهد لبدء مفاوضات جديدة بين طهران وواشنطن، والتي من المفترض أن تناقش هذه المفاوضات البرنامج النووي والصاروخي والتدخلات الإيرانية في الشأن العربي، فإن المرشد خامنئي اعتبر أية مفاوضات مع أميركا، «بمثابة سم، ومع إدارة الرئيس ترامب سماً مضاعفاً». ودون أدنى شك، إن اللقاء المفترض إذا ما تم بين حسن روحاني ودونالد ترامب، فإنه سيكون بمباركة المرشد الإيراني. وبالتالي، ما نشاهده من تباين في المواقف السياسية في المشهد الإيراني فهو تقسيم أدوار لتحقيق الأهداف، وليستمر نظام الجمهورية الإسلامية الذي يعرف عن نفسه على أنه “نظام مقدس وحامي حمي” أتباع أهل البيت سواء أكانوا عرباً أم عجماً، في الحكم.

وأما خلاصة القول، إذا ما تجاوز نظام الجمهورية الإسلامية محنته هذه في ظل حكم الرئيس الأميركي دونالد ترامب (جون بولتون ومايك بومبيو) إلى بر الأمان، فإنه قد يعمر ثمانين عاماً، وقد نسمع قادة الفرس حينها، ربما يتحدثون عن “احتلالهم لـثماني وليس أربع عواصم عربية” فقط.

 جمال عبيدي

1 سبتمبر 2019

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق