الربيع العربي ضد تدخلات إيران

 الاحتجاجات التي يشهدها العراق ولبنان، والتي شكلت أكبر تهديد لأتباع إيران في العراق وسوريا ولبنان، علامة بارزة على فشل المشروع الإيراني الصفوي في المنطقة، ودليل على بطلان سياسات الملالي التدخلية في شؤون الدول العربية، وتثبت بالدليل القاطع أن فاقد الشيء لا يعطيه، فلا يمكن لنظام فشل فشلا ذريعا في إدارة شؤون بلاده الداخلية، أن ينجح في إدارة شؤون دول أخرى، كما أنها تفرز حقيقة الاحتقان الشعبي وامتعاض الشعوب العربية من تدخلات إيران ودعمها للإرهاب ونشر الفوضى في الدول العربية.

إن هذه المظاهرات في العراق ولبنان هي في حد ذاتها رفض شعبي صريح لتدخلات إيران وأذرعها الإرهابية في المنطقة، لاسيما أنها حملت شعارات وأطلقت هتافات تندد بالتدخلات الإيرانية وسلوك أذرع إيران الإرهابية في دول المنطقة، كما حاول المتظاهرون اقتحام مقرات بعض هذه الأحزاب والجهات المؤيدة لإيران في هذه الدول، وإن كانت طهران قد نجحت شيئا ما في توسيع دائرة نفوذها في بعض دول المنطقة، عبر شراء حلفاء سياسيين شيعة في العراق ولبنان وسوريا واليمن، إلا أنها فشلت فشلا ذريعا في تشكيل قاعدة شعبية تحمي نفوذها ومصالحها في هذه الدول، بل أن نتائج سياساتها وتدخلاتها الدموية دفعت بالشعوب للنهوض ضدها ورفض كافة تدخلاتها.

إن أهم ما يميز هذه المظاهرات هي عفويتها الشعبية، وانطلاقها من تداعيات معيشية منددة بتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والأمنية، ثم سرعان ما تحولت إلى احتجاجات ضد إيران وطابورها الخامس، فالأزمة عميقة وتحمل تراكمات سلبية لأعوام من التدخلات الإيرانية التي أفرزت إخفاقات سياسية واقتصادية وأمنية.

وبعد انطلاق الربيع العربي في العراق ولبنان ضد تدخلات إيران في شؤونها الداخلية، دخلت هاتين الدولتين مرحلة حساسة في  ظل ما تحفل به من مشاكل وتوجهات سياسية مختلفة، وقد لاحت مؤشرات التغيير مع بدء توحيد صفوف الأحزاب والتيارات المختلفة ضد إيران وسياساتها وتدخلاتها وأذرعها، حيث تشير المتغيرات المتسارعة إلى تحالف القوى في هاتين الدولتين ضد المشروع الإيراني، مع التأكيد على  مطالب الحراك الشعبي الذي لاق هذا الموقف بإيجابية بالغة، وأدركت الشعوب المتظاهرة أن سبب ما تعانيه من أزمات ومشاكل هو تدخلات إيران وأذرعها.

إن القاسم المشترك الأكبر بين مطالب المتظاهرين العراقيين والمتظاهرين اللبنانيين هو طرد أي مكون إيراني من بلادهم، ورفض كافة مظاهر التدخلات الإيرانية وإبعاد أتباع طهران عن المشهد السياسي بشكل كامل، عن طريق تقوية الدولة وتعزيز مؤسساتها الوطنية لتمكينها من ممارسة سيادتها بشكل كامل ومستقل، وتفكيك التحالفات الطائفية والمليشياوية التي خلقتها إيران وعطّلت من خلالها الدولة ومؤسساتها عن النهوض بمسؤولياتها ووظائفها تجاه مواطنيها، إضافة إلى المطالبة بمحاكمة من تورطوا بخلق الأزمات على كافة الأصعدة وتسببوا في نشر الفتن والفساد.

وتستميت إيران وأنصارها حاليا في محاولة حرف المطالب الشعبية في العراق ولبنان وخلط الأوراق والترويج لوجود جهات أجنبية تقود المتظاهرين ودفع الأموال لهم لتنفيذ أجنداتها السياسية، وتقف إيران ضد هذا الحراك الشعبي بكامل قوتها، لأنها تدرك أن تعزيز الحكومة ومؤسساتها في العراق ولبنان، ومكافحة الفساد واجتثاث المفسدين، سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف أذرعها الناشطة في هاتين الدولتين، وخاصة حزب الله والميليشيات الطائفية، والأهم من ذلك، أن هذه المظاهرات تمثل العقاقير المضادة لحرب إيران الأيديولوجية في المنطقة، والتي من خلالها تمكنت من نشر خلاياها السرطانية في بعض دول المنطقة، فهذا الحراك الشعبي أصبح يمثل حائط الصد المنيع أمام المشروع الإيراني، بعد أن فشلت التيارات السياسية في تحصين الدولة والمجتمعات من التدخل الإيراني.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

28 أكتوبر 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق