السقوط أقرب للنظام الإيراني من السلاح النووي

إن الهدف الأساسي لصناع القرار في إيران، من الإعلان عن تجاوز نسبة تخصيب اليورانيوم المحددة في الاتفاق النووي، وهو دفع الدول الأوروبية نحو تعزيز المصالح الإيرانية في الصفقة النووية، ووقف التصعيد وتشديد العقوبات، أو انتظار وقوع حرب تضر بالمنطقة والعالم، يعبر بمضمونه وتداعياته وانعكاساته المستقبلية، عن سوء “تقدير موقف” و”خطأ استراتيجي” قد يطيح بالنظام الإيراني ومؤسساته الثورية عبر ضربة عسكرية أميركية إسرائيلية مدروسة بدقة ومدعومة من الدول الأوروبية والمجتمع الدولي.

ويقينا، فإن هناك قلق دولي من مساع إيرانية تهدف للوصول إلى أسلحة نووية، وظل هذا القلق يتصاعد رغم توقيع الاتفاق النووي عام 2015، والذي كان من المفترض أن يمنع إيران من صناعة أسلحة نووية، غير أن أجهزة الاستخبارات الغربية وعلى رأسها الأميركية، شككت في النوايا الإيرانية، وكشفت عن وجود أنشطة سرية مشبوهة يتبناها الحرس الثوري بعيدا عن فضاء الحكومة الإيرانية، وخلصت إدارة البيت الأبيض إلى أن مؤسسة الحرس الثوري، رغم توقيع الحكومة الإيرانية على الاتفاق النووي، لا تزال تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وهو ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى وصف هذا الاتفاق بأنه الأسوأ في التاريخ، وأعلن انسحاب الولايات المتحدة منه، وإعادة فرض وتشديد العقوبات على طهران.

أما الدول الأوروبية، فقد تعاطت بشكل ذكي للغاية مع ملف الاتفاق النووي، من حيث التزامها بهذا الاتفاق لإجبار إيران على البقاء فيه والالتزام بتعهداتها، في وقت تناغمت به كليا مع واشنطن في ممارسة سياسة أقصى الضغوط على إيران، وهو ما صعّب كثيرا على طهران عملية صناعة أسلحة نووية حتى تاريخ إعلان طهران تجاوز الحد المسموح به من تخصيب اليورانيوم.

وفي هذه الأثناء، تجدر الإشارة إلى أن ثمة قرارات صارمة يمكن وصفها بالدولية، تتبناها أميركا والدول الأوروبية، ولا تمانع عليها روسيا والصين وباقي القوى الإقليمية والعالمية، تتضمن منع إيران من الوصول إلى سلاح نووي بأي ثمن كان، حتى ولو اضطر الأمر إلى استخدام القوة العسكرية، فهدف الولايات المتحدة من الانسحاب من الاتفاق النووي وتشديد العقوبات هو إجبار إيران على اتفاق جديد يقطع الطريق أمامها ويفقدها الأمل في صناعة أسلحة نووية، وهو ما لم يحدث حتى الآن، وترفضه طهران، بإعلانها تجاوز الحد المسموح به من مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب، بذريعة خادعة مرفوضة دوليا تدعي من خلالها طهران أنه حق لها ضمنته بنود الاتفاق النووي، وتقول لا توجد دولة تجرؤ على استيراد الفائض بسبب التخوف من العقوبات الأميركية.

إن إعلان إيران رفع مستوى تخصيب اليورانيوم بنسبة تزيد عن 3.67%، يعد انتهاكا واضحا لروح ونص الاتفاق المنعقد عام 2015، وهي بهذا القرار تضع آخر مسمار في نعش هذا الاتفاق، وإن كانت تهدف من وراء ذلك الضغط على الدول الأوروبية لبذل المزيد من الجهود للحفاظ على المصالح الإيرانية والضغط على الولايات المتحدة لتخفيف العقوبات القاتلة، إلا أنه كما أشرنا سابقا، يعتبر ذلك سوء تقدير وخطأ استراتيجي خطير، لأن هذا يعني أن إيران انطلقت في تنفيذ “مراحل الوصول إلى قنبلة نووية”، ولم يعد متبقيا لديها سوى عبور مرحلة إنتاج “سداسي فلوريد اليورانيوم” بشكله الغازي من أربع إلى خمس مرات، ورغم أن هذا الأمر سيكون صعبا على التقنية النووية الإيرانية التي لا تزال بدائية وتقليدية، إلا أن ذلك يعتبر خطوة نحو  الحصول على ما يكفي من المواد اللازمة لإنتاج قنبلة نووية واحدة على الأقل، مع إعادة تشغيل أجهزة الطرد المركزي التي تنوي طهران زيادتها في المرحلة القادمة، وهو يضع طهران أمام احتمالية الوصول إلى سلاح نووي خلال “أقل من عامين” إذا لم يتم اتخاذ إجراءات دولية صارمة للحيلولة دون ذلك، في وقت أعلنت فيه الولايات المتحدة أنها لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي مهما كان الثمن، حتى لو اضطرت إلى استخدام قوتها العسكرية.

لذا فإن قرار إيران بزيادة تخصيب اليورانيوم، وإصرارها على تقليص التزاماتها بالاتفاق النووي، بهدف دفع المجتمع الدولي لتقديم تنازلات من ضمنها تخفيف وطأة العقوبات الأميركية، وفي ظل عدم وجود أي مؤشرات حالية أو مستقبلية لتجاوب أوروبي مع الابتزازات الإيرانية، وجدية الولايات المتحدة في عدم التسامح مع أي مسعى إيراني للوصول إلى سلاح نووي، من شأنه أن يفرض سيناريو العمل العسكري ضد إيران، والذي من المتوقع أن يقود إلى صراع مفتوح يقرب النظام الإيراني إلى مرحلة الإنهيار والسقوط.

مدير مركز المزماة: إبراهيم المقدادي

10 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق