شؤون عربية

السودان: مخاطر الفراغ السياسي وعوائق بناء شرعية جديدة

يشهد السودان حالة غليان شعبي وسياسي منذ أواخر العام الفائت، أدت إلى سقوط نظام عمر البشير في إبريل الماضي، ليحل المجلس العسكري طرفاً بديلاً للسلطة، وخصماً افتراضياً جديداً للمحتجين. ولكل طرف حجته، ففي حين يطالب المدنيون بسرعة تسليم السلطة وعودة العسكر إلى ثكناتهم، يعتبر العسكريون أن القيام بخطوة كهذه بشكل مفاجئ تعد قفزة إلى المجهول، ولا تضمن الاستقرار والاجماع الوطني وإغلاق أبواب المخاطر المحتملة. رغم أن السودان يعاني الآن بالفعل مخاطر الفراغ السياسي وعوائق بناء شرعية جديدة.

وسط هذا الجدل الثنائي، يجري الوقت سريعاً، بالتزامن مع أعمال فوضى وتظاهرات أبقت على المشهد السوداني عالقاً، يراوح بين تقدم الحوار بين المدنيين والمجلس العسكري تارة، وبين انهيار الاتفاقات وعودة التظاهرات من جديد.

ومن خلال متابعة التفاعلات المتكررة بنسق متشابه، تشير الأحداث إلى تزايد مخاطر بقاء الحال على هذه الصورة، في ظل انسداد أفق التفاوض بين ممثلي الشارع والمجلس العسكري، وفي ظل انفعال وهيجان وردود أفعال متباينة، تؤثر بشكل سلبي على مختلف الأطراف، وتحد من التوصل إلى خارطة طريق، لتأسيس شرعية جديدة ومقبولة شعبياً ونخبوياً و(عسكرياً) إن جاز التعبير. لأن الشرعية المنتظرة أو من يمثلها، ستكون مطالبة حتماً بإرضاء كل الأطراف، بحيث لا تبدو وكأنها لسان حال طرف بعينه. وخاصة أن السودان كان ولا يزال في حالة غليان دائمة، وحروب متفرقة، وتعبيرات احتجاجية بعضها كانت مسلحة، أجمعت كلها على عدم صلاحية نظام البشير، الذي سقط بالفعل، لكن سقوطه لم ينتج حتى الآن سوى الفراغ السياسي الذي لا يزال حديث الساعة، في ظل رفض المدنيين والقوى السياسية الفاعلة إطالة أمد فترة انتقالية يديرها أو حتى يتزعمها فقط الجيش. بعد أن ضاق السودانيون بأسلوب إدارة الجنرال البشير للدولة.

يمكن الحديث عن أربعة أطراف تنتج التفاعلات في الشارع السوداني خلال هذه الفترة، منها ثلاثة أطراف داخلية، تتمثل في حشود المتظاهرين والقوى السياسية المؤيدة لهم والمعبرة إما بشكل مباشر أو ضمني عنهم، ثم المجلس العسكري الانتقالي في آخر تشكيلة نهائية له، والذي وجد نفسه في الواجهة مطالباً بملء الفراغ وضبط الإيقاع العام، وكان يطمع في أن تمتد صلاحياته إلى عامين. ثم هناك الأطراف والقوى السياسية التي ترى أن الضجيج في الشارع والتظاهرات والانجرار وراء غضب الجماهير لا يمكن أن يخلق توافقات سياسية للترتيب للمرحلة القادمة. ويظهر ممثلو هذا الطرف في ثنايا التحليلات وهم يقللون من شأن النقابات والتيارات التي تحرك الشارع في التظاهرات، ويعتبرون أنها غير مخولة بتمثيل الطيف السياسي السوداني بكافة ألوانه وتوجهاته. وأخيراً هناك الاتحاد الإفريقي والضغوط التي يمارسها، إلى جانب الدور الإثيوبي البارز في السودان حالياً، مع استمرار تحرك الوسيط الإثيوبي لاستعادة أجواء الحوار مع المجلس العسكري.

الثابت أن ما يحرك الأحداث في السودان ويحافظ على درجة سخونتها في هذا الصيف الملتهب، أن التظاهرات الحالية جاءت عقب مرحلة كبت طويلة اتسمت بها فترة حكم عمر البشير. ووسط كل ما يدور ويؤدي في النهاية إلى تأخير ترتيب الوضع السياسي في الخرطوم، يستبعد السودانيون حتى الآن القلق تجاه تداعيات تأجيل بناء شرعية جديدة لملء الفراغ وعودة عجلة الحياة إلى الدوران، مقابل حرصهم على مواصلة التظاهرات الشعبية والمسيرات، واختبار قدرتها على تشكيل ضغط شعبي متصاعد ضد المجلس العسكري والنخبة السياسية السودانية بشكل عام. لكن هذا المسار الشعبوي العاطفي قد يستنفد زخمه وقيمته المعنوية، وخصوصاً إذا ما أدى مع مرور الوقت إلى المزيد من الانهيارات الاقتصادية والأمنية، وبالتالي يفقد المحتجون في الشارع نقاط قوتهم، مما يمنح المجلس العسكري ومن يؤيدونه فرصة لإغلاق ملف التظاهرات والتجمعات والحشود الشعبية، ثم العودة بالأزمة إلى الغرف المغلقة بين النخبة السياسية والعسكرية. وهذا المؤشر غير المرحب بمواصلة الضغط من قبل الشارع، نلمحه حتى لدى بعض رموز المعارضة التقليدية، كما هو الحال لدى الصادق المهدي وحزبه.

وما لا يمكن تجاهله من قبل المراقبين للشأن السوداني اليوم، أن كل البيئات المشابهة التي شهدت احتجاجات وأدت إلى تقويض شرعية السلطات القائمة، تعاني إثر الخطوة الحماسية الأولى من تكرار مأزق بناء شرعية جديدة للحكم. ويظهر قبل ذلك النزاع حول الفترة الانتقالية، من حيث التساؤلات بشأن من يديرها، وما هي صلاحياته، وما الإجراءات التي تتم خلالها. ناهيك عن القضايا الدستورية والتشريعات النافذة التي تضع الكل بلا استثناء في مأزق قانوني، سواء عند تعطيلها أو عند العمل بالسابق والقديم منها، وكذلك عند محاولة صياغة وإقرار تشريعات جديدة بديلة عنها.

في كل الأحوال فإن القوى السودانية التي ركبت على ظهر موجة التظاهرات الشعبية، مطالبة بالتفكير مجدداً في المآلات السياسية التي قد يتسبب بها دفع السودان إلى حافة الفوضى الشاملة، ولو بنوايا طيبة. إذ في نهاية المطاف لا بد من التوصل إلى حل يؤدي إلى التمهيد لإنهاء الفراغ السياسي واستعادة الحياة الطبيعية في الشارع السوداني.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

1 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق