الملف الإيراني

السياسة الإيرانية في مواجهة العقوبات… بين دبلوماسية التصوير والمكابرة والاحتواء

بأياد خالية وخطط فارغة، يسعى صناع القرار في إيران إلى تقديم تصور بالانتصار، والإيحاء بوجود توازن في القوى بين طهران وقوى غربية على رأسها الولايات المتحدة، في نهج غير مدروس لا ينتج إلا الخراب والأضرار السياسية والاقتصادية والأمنية لإيران والمنطقة المحيطة بها، في حين أن الظروف الراهنة تتطلب سياسة أكثر عقلانية واستراتيجية حكيمة تحاكي التطورات والأزمات بواقعية وليست بنهج دبلوماسية التصوير.

يجوب حاليا وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف شرق الأرض وغربها، في زيارات متسارعة وصفت بالمتخبطة والسريعة والفارغة من الأهداف والاستراتيجيات الحقيقية، باستثناء هدف ظاهري يتمثل في محاولة الظهور في صورة القوي الذي لم يتأثر بالعقوبات الأميركية التي أوشكت أن تقسم ظهر بعير الاقتصاد الإيراني.

 وفي تعليق يلفت الأنظار، قال الرئيس الإيراني حسن روحاني أثناء تجوال ظريف، إنه يمكن أن يحقق الرخاء والتنمية والازدهار للبلاد من خلال مقابلة كبار المسؤولين في البلدان الأخرى، في حين أن الأوضاع الداخلية تزداد سوءأ يوما بعد يوم، ما جعل هذه التصريحات تواجه انتقادات شديدة من قبل الرأي العام الإيراني وضعت حكومة روحاني والنظام الإيراني في مأزق تاريخي يضيق الخناق عليهما شيئا فشيئا، وزادت من حدة الانقسامات الداخلية بشكل ملحوظ، لا سيما بعد ارتفاع سقف تبادل الاتهامات بالفساد بين كبار المسؤولين في إيران من ناحية، وعدم إحداث أي تغيير حقيقي في مؤشرات الحياة أو القطاعات الاقتصادية، بل على العكس من ذلك، ازدادت الأوضاع سوءا خلال الستة أشهر الماضية بمعدلات مضاعفة عما كانت عليه عام 2018، إذ ارتفعت نسبة البطالة بين الشباب ووصلت إلى حوالي 25 %، بينما كانت نهاية العام الماضي 12 %، وبلغت نسبة التضخم في الفترة ذاتها حوالي 26.6 % مقارنة ب 10.2% نهاية عام 2018، كما تراجعت معدلات النمو الاقتصادي، وتراجعت قيمة العملة مما أجبر الحكومة على حذف أربعة أصفار من عملتها الوطنية، كما اجتاح الفقر أكثر من 40% من الأسر الإيرانية، وارتفعت الأسعار بمعدلات تراوحت ما بين 50 إلى 200% ما جعل القدرة الشرائية تنخفض إلى أدنى مستوياتها منذ ثورة عام 1979.

هذه الحقائق كانت بالمرصاد للرئيس الإيراني حسن روحاني في كلمته التي استعرض فيها الإنجازات الحكومية في تطوير البنية التحتية للأرياف، وهبت الصحف الإيرانية ومنها صحيفة “كيهان” وصحيفة جوان وعشرات الصحف الأخرى لنفي صحة ما قاله روحاني بنشر هذه الحقائق والتأكيد على فشل الحكومة الإيرانية في إدارة البلاد ومحاربة الفساد، واستسلامها أمام قوة العقوبات الأميركية بسعيها إلى الحوار مع أي طرف لإنقاذ البلاد من انهيار حتمي لا تريد الإفصاح عن خطورته ومراحله والاعتراف بوجوده.

الحقيقة التي يتملص منها صناع القرار في إيران، ويسعون إلى لفت الأنظار عنها والتعتيم عليها، هي الأسباب الرئيسية وراء تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للبلاد، وهي أسباب داخلية تعود إلى تفشي الفساد وانتشاره بين كبار المسؤولين الإيرانيين وتسلط الحرس الثوري على غالبية القطاعات الاقتصادية للبلاد، وأسباب خارجية ترجع إلى العقوبات الأميركية على إيران والتي تعتبر نتيجة حتمية لسياسات طهران التخريبية، وقد بلغت هذه العقوبات ذروتها منذ شهر مايو الماضي بإلغاء الإعفاءات على صادرات إيران النفطية، وبالتالي تراجعت صادرات النفط الإيراني إلى أقل من 300 ألف برميل يوميا في شهر يونيو، وهناك بعض التقارير تؤكد أنها الآن دون الـ 100 ألف برميل يوميا وتتجه نحو الصفر، في حين كانت إيران في منتصف العام الماضي تصدر نحو 3 ملايين برميل نفط يوميا، بالإضافة إلى العقوبات التي شملت حظرا على صادرات البتروكيماويات وصادرات المعادن، لحرمان إيران من مصادر العملة الأجنبية، وتقليل حجم عائداتها من الصادرات إلى الحد الأدنى ضمن استراتيجية تفعيل أقصى الضغوط على طهران والتي حققت حتى الآن كافة أهدافها وتطلعاتها بحرمان إيران من التعاملات البنكية للحصول على عائدات صادراتها النفطية وغير النفطية إلى دول العالم، كما فشلت الدول الأوروبية في الوفاء بوعودها لإيران بمساعدتها على تصدير نفطها من خلال إيجاد آلية مالية تتيح لإيران فرصة البقاء على اتصالها التجاري مع العالم الخارجي.

ويمكن القول أن الحكومة الإيرانية قد نجحت نسبيا حتى الآن في تهدئة الداخل وامتصاص الغضب الشعبي، عبر دعاياتها الترويجية، وحلولها وبرامجها المؤقتة، ودبلوماسيتها التصويرية، وعملها الدؤوب في محاولة خلق إجماع وطني يتبنى فكرة أن إيران تواجه خطر عدو خارجي مع الحرص على توظيف استعراض عسكري صوري يوحي بتحد الحرس الثوري للقوات الأميركية والغربية  في محيط إيران، مع تفعيل دبلوماسية تنحصر في زيارات ظريف واتصالات روحاني لرفع الروح المعنوية للداخل الإيراني ولدى طابور طهران الخامس في المنطقة.

لكن ما سيفجره قادم الأيام، من أزمات ومشاكل داخلية يتعذر على السلطات الإيرانية إخفاؤها أو حرف الأنظار عنها، سيسهم في رفع مستويات الاستياء والغضب الشعبي أكثر مما كان عليه بداية عام 2018 أضعافا، وذلك حين اندلعت مظاهرات واحتجاجات في غالبية المدن الإيرانية، ما يعني أن كل ما تقوم به إيران من سياسات وبرامج وخطط ودبلوماسية هي مجرد حلول مؤقتة لن تكون ذات جدوى فيما بعد.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

28 أغسطس 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق