العقوبات الأميركية على إيران بين فشل المواجهة ونتائج قاسية

enEnglish faفارسی

بينما تستميت الحكومة الإيرانية في مواجهة الأزمات الاقتصادية المتزايدة، من تدهور مستمر للعملة، وارتفاع في معدلات الفقر والبطالة والتضخم والأسعار، ونقص السلع والاحتياجات الرئيسية في البلاد، والتي لا تكاد تغطي نصف احتياجات الشعب الإيراني، يبدو أن الولايات المتحدة ذاهبة نحو المزيد من الضغط على النظام الإيراني بعد سلسلة من القرارات الصارمة تجاه إرهابه وأنشطته التخريبية في المنطقة، التي عرت وجهه الحقيقي وأسقطت كافة شعاراته المزيفة بألوان المقاومة والدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية.

وفي هذه الأثناء، يمكن القول أن النظام الإيراني قد فشل فشلا ذريعا في معالجة الأزمات على الصعيدين الداخلي والخارجي، لكنه لا يزال قادرا على إدارتها بنحو يسعى من خلاله إلى تطبيع الداخل على مزيد من تردي الأوضاع، مع الحرص على إبقاء القبضة الحديدية الأمنية ملتفة حول أعناق الشعوب الإيرانية، وفي هذه الحالة، فإن الأزمات في طريقها إلى التكاثر بشكل يتحتم معه انفجار الداخل الذي سيقود بلاشك إلى ثورة عارمة تعيد بيرق الربيع الإيراني مرة أخرى بفرص نجاح كبيرة.

وفي قراءة للسياسة الأميركية القادمة تجاه إيران، والتي تقوم على أساس الحزم وعدم التهاون، فإنه من المؤكد أن تتبع واشنطن سياسة أكثر تشددا تجاه السلوك الإيراني المزعزع لأمن واستقرار المنطقة، وستصدر مزيدا من القرارات التي ستؤدي إلى شلل الاقتصاد الإيراني ومزيدا من عزلة طهران إقليميا ودوليا، ومن غير المرجح أن تقرر واشنطن تمديد فترة إعفاء الدول الثمان المستوردة للنفط الإيراني والتي ستنتهي في مايو المقبل، ما سيشكل ضربة قوية للصادرات النفطية الإيرانية التي لا يزال مردودها المالي يشكل قشة الغريق بالنسبة للنظام الإيراني والحرس الثوري.

وبعيدا عن التوقعات المستقبلية للعقوبات الأميركية على إيران، فإن تأثيرها بدأ منذ فترة يطال غالبية قطاعات الانتاج والاقتصاد في إيران، إلا أن التركيز على الصادرات النفطية، والإصرار على تصفيرها، وإصدار قرارات ضد المؤسسات المسيطرة على اقتصاد البلاد، ولا سيما الحرس الثوري، يظهر السعي الأميركي إلى إحداث شلل اقتصادي ومالي عام في البلاد، يطال كافة القطاعات الاقتصادية والمالية.

وما أصبح واضحا الآن، أن واشنطن تتجه نحو ممارسة المزيد من الضغوط على طهران، من خلال تضييق الخناق على مصادر تمويل النظام الإيراني، وتجفيف هذه الموارد المالية، واستهداف أنشطته الإقليمية والدولية، حتى لا تتيح له أي فرصة لاستكمال برامجه التسليحية النووية والصاروخية وباقي أنشطته غير السلمية، وكذلك الحد من النفوذ الإيراني الإقليمي عبر شل قدرة الحرس الثوري المادية على تقديم الدعم للجماعات الإرهابية، فضلا عن قطع الطريق أمام أي من القوى الإقليمية والدولية التي تحاول أن تقدم للنظام الإيراني أي نوع من المساعدات عبر محاولة التحايل على العقوبات.

النتائج حتى الآن تشير إلى قرب حدوث انهيار اقتصادي في البلاد يرافقه انهيار سياسي وأمني، وهروب ممنهج للكثير من القادة الإيرانيين السياسيين والعسكريين والأمنيين خارج إيران بأموالهم التي ادخروها طوال السنوات الماضية ويخشون عليها جراء تدهور الأوضاع وانفلات الأمور، وهو هاجس شق طريقه في الآونة الأخيرة إلى أذهان الكثير من المسؤولين الإيرانيين الذين فقدوا الأمل من أي مستقبل آمن في البلاد بعد وصول مؤسسات الحكم وعلى رأسها بيت المرشد إلى طريق مسدود لمعالجة الأوضاع.

فأي متجول في طهران هذه الأيام، يلحظ بشكل واضح انعكاس العقوبات الأميركية على كافة القطاعات الاقتصادية والانتاجية في الداخل الإيراني، والتي أصيبت بالشلل شبه التام، ما يسقط الحجج الإيرانية الواهية من أن العقوبات الأميركية لم تؤثر على الاقتصاد الإيراني، ما يطرح العديد من التساؤلات حول مستقبل هذه الأوضاع المتردية خلال الأشهر القادمة ولا سيما وأنها ستشهد مزيدا من الضغوطات والعقوبات الأميركية وربما الأوروبية على طهران نتيجة دعم النظام الإيراني للإرهاب وإصراره على التدخل في شؤون دول المنطقة وعلى زعزعة أمن واستقرار دول الجوار بما يخدم مشروع تصدير الثورة الخمينية.

ومع ارتفاع مستوى العقوبات الأميركية على النفط الإيراني، سعت طهران إلى التحايل على هذه العقوبات بعدة طرق، يبدو أن جميعها باء بالفشل، والتي آخرها توجه الساسة الإيرانيون إلى دول الجوار وخاصة العراق لتفادي سقوط مدو للصادرات الإيرانية بعد انخفاض حاد في حجم التبادل التجاري بين إيران وشركائها التجاريين التقليديين وعلى رأسهم الصين وروسيا، وذلك كنتيجة لوقف عدد من الشركات الصينية والروسية والهندية تجاراتها مع طهران خشية العقوبات الأميركية، غير أن تعزيز إيران لتجارتها مع دول الجوار كمحاولات للسيطرة على الأوضاع الاقتصادية لن تكون مجدية أبدا، ولا يمكن أن تكون بديلا بأي حال من الأحوال عن التجارة مع الشركاء التجاريين الكبار كالصين والدول الأوروبية، فحجم التجارة مع كافة دول الجوار، بما فيها العراق، لم تصل إلى حجم التجارة مع شريك واحد من الشركاء التجاريين لإيران كالصين مثلا، فضلا عن الفروق الكبيرة في النوعية والجودة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

21 أبريل 2019

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق