شؤون عربية

العوامل الداخلية والخارجية لتصاعد العنف ضد المتظاهرين في العراق ولبنان

 

مثَّل العنف ضد المتظاهرين المظهر الطاغي على الأحداث في كل من العراق ولبنان خلال الأيام الأخيرة. فالدولتان وإن اشتركتا في انضمامهما للموجة الثانية من الثورات العربية مع تشابه في بعض العوامل التي قادت الشعبين للنزول للشارع، فقد اختلفتا في مسار الحركة الاحتجاجية وخاصة فيما يتعلق بالعنف الشديد ضد المتظاهرين والذي كان غالبا على الأحداث منذ اليوم الأول في العراق لكنه ظهر متأخرا في لبنان. 

فرغم أن المظاهرات في لبنان حافظت على سلميتها منذ اليوم الأول عكس المشهد الدموي الذي صاحب الاحتجاجات العراقية، إلا أن المشهد بدأ يتحول في لبنان، حيث شهدت الأيام الأخيرة استعادة الحركة الاحتجاجية غير المسبوقة زخمها مع تحول المشهد نحو العنف. فمع دخول التظاهرات في الدولتين شهرها الرابع أصبح العنف الطاغي على المشهد الذي تنوعت أسبابه. هذا يطرح تساؤلا بشأن أسباب العنف ضد المتظاهرين في الدولتين والمسار المتوقع للأحداث خلال الأيام المقبلة. 

المحاصصة والاعتبارات الطائفية مسؤولة عن تأزيم المشهد في العراق ولبنان وتحوله للعنف 

العوامل الداخلية

يمكن اعتبار التدهور الاقتصادي أحد أهم الأسباب التي قادت المحتجين في كل من العراق ولبنان للخروج للشارع احتجاجا على السوء الشديد للأوضاع المعيشية، خاصة في دولة مثل العراق التي أصبحت دولة غنية مع شعب فقير. ومع استمرار التظاهرات في العراق ولبنان للشهر الرابع، يبدو أن العوامل الاقتصادية في مقدمة أسباب تحول المشهد نحو العنف وهو ما بدا واضحا في لبنان، حيث تشهد البلاد أسوأ أزمة اقتصادية منذ انتهاء الحرب الأهلية (1975 – 1990) مع انتقال التدهور الاقتصادي لمستوى غير مسبوق، فقد وصلت المديونية الحكومية نحو 90.8 مليار دولار أي ما يوازي نحو 150% من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد والبالغ نحو 58.6 مليار دولار، مع توقعات متشائمة تجاه الأداء الاقتصادي في البلاد، خاصة أن قيمة المديونية آخذة في التصاعد، مع عدم توافر مصادر نقد أجنبي لتوفير السيولة المالية الضرورية للوفاء باحتياجات البلاد من الديون خلال عام 2020. 

وكانت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة وانسداد الأفق السياسي وراء تجدد الاحتجاجات وما صاحبها من عنف، خاصة في ظل سياسة البنك المصرفي اللبناني التي فرضت قيودا صارمة على حد سحب الدولار وتقييد التحويلات للخارج، وهو ما فرض المزيد من الضغوط المعيشية على اللبنانيين، تجسدت في أعمال شغب شملت تحطيم واجهات مصارف إضافة إلى تدمير ماكينات الصراف الآلي. 

كما شكلت اعتبارات المحاصصة والطائفية في العراق ولبنان ودور النخبة الحاكمة أحد أهم تلك العوامل. وإذا كانت الاحتجاجات خرجت اعتراضا عما قادت إليه الطائفية والمحاصصة في البلدين من تدهور في كافة الأوضاع، فبعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على اندلاع الاحتجاجات مازالت المحاصصة والاعتبارات الطائفية مسؤولة عن عدم حلحلة الأمور وتأزيم المشهد وتحوله للعنف على هذا النحو.  فتأخر تشكيل الحكومة اللبنانية التي أعلنت الثلاثاء الماضي كان أحد أسباب انفجار الوضع في البلاد وتحول المشهد للعنف.

يرتبط بذلك الفساد في كل من نظامي الحكم وإدارة شؤون الدولة وهو ما قاد لهذا الوضع، فأحد تفسيرات تحول المشهد للعنف المباشر وغير المباشر في لبنان هو أن النظام باستخدام العنف يدفع المتظاهرين لاستخدام العنف المضاد، وهو ما يجعل من السهل على عناصر الأمن إجهاض التظاهرات، تحت مبرر أن المتظاهرين هم من بدؤوا بالعنف.

كما أن النخبة السياسية هي المسؤولة عن هذا الوضع من حيث إعلاء مصالحها الشخصية على المصالح الوطنية. إذ لم تنجح في تقديم مشروع وطني حقيقي، مما يجعلها مسؤولة إلى حد كبير عن العنف في البلاد. وبذلك فقد أسهم غياب مشروع وطني حقيقي وإعلاء العوامل الطائفية في تعقيد المشهد. فبدلا من التركيز على تطبيق خطوات إصلاحية تحقق مطالب الشارع تحول المشهد لمزيد من العنف للضغط على الشارع. 

على الجانب الآخر اتسم الحراك في الدولتين منذ اليوم الأول وخاصة في لبنان بلحمة وطنية واضحة لتتضاءل أمامه فكرة الطائفية.  

استخدمت إيران كافة السبل لإنهاء الحركة الاحتجاجية في العراق ولبنان حماية لمصالحها وأهدافها.. وخليفة قاسم سليماني ينسق مع الحشد الشعبي في العراق لإنهاء التظاهرات

العوامل الخارجية

لا تقل العوامل الخارجية أهمية عن العوامل الداخلية وتحديدا الدور الإيراني، إذ عمدت إيران إلى استخدام كافة السبل لإنهاء الحركة الاحتجاجية حماية لمصالحها وأهدافها في الدولتين. وقد اختلف النهج الإيراني بين الدولتين. وعامة، فقد شكلت المظاهرات في كل من العراق ولبنان نهاية للتباهي الإيراني بتبعية تلك العواصم لها، وخاصة بعد ظهور شعارات طالب عبرها المتظاهرون بخروج إيران، وتحديداً في لبنان، حيث كانت السيطرة الإيرانية على كافة مؤسسات الدولة.  لذا لم تكن إيران ترغب في تغيير التركيبة السياسية في لبنان. والأمر كذلك ينطبق على العراق، لان إيران تريد أن تبقى مهيمنة على الساحة العراقية ومؤسسات الحكم فيها.

وقد حاولت إيران منذ اليوم الأول التدخل بسبل عدة لمنع سقوط الأنظمة التابعة لها. ففي العراق، قام قاسم سليماني (قبل مقتلة في عملية للولايات المتحدة) وعبر اجتماعات عقدها مع القادة الأمنيين، بمحاولة نقل الخبرة الإيرانية في قمع المحتجين، لذا كان العنف غالبا على المشهد منذ اليوم الأول، خاصة في التجاور الجغرافي بين الدولتين والتداخل السكاني بين الدولتين إذ خشيت إيران من انتقال التظاهرات إليها. كما كان للتهديد والوعيد من قبل الميليشيات الموالية لإيران دوره في تأجيج المشهد، حيث أثارت تهديدات قادة الحشد الشعبي وغيرهم من غضب المتظاهرين، والهدف هو إنهاء الاعتصام بالقوة. وتُشير المصادر إلى اجتماع عُقد مؤخرا في مدينة قم بين قيادات الحشد الشعبي وإسماعيل قاني، قائد فيلق القدس وخليفة قاسم سليماني، حيث تم الاتفاق على خطة تقوم على إنهاء التظاهرات بأسرع وقت ممكن، عبر قيام عناصر الحشد الشعبي بتنظيم مظاهرة مليونية احتجاجا على الوجود الأميركي في البلاد. 

وفي لبنان حاول حزب الله أكثر من مرة إجهاض التظاهرات بطرق مباشرة وغير مباشرة وعبر عدة وسائل، من بينها التهديد والوعيد، لكن مع الفشل في هذا النهج تم اللجوء للعنف ضد المتظاهرين. 

 وإضافة إلى الدور الإيراني، من المهم الإشارة إلى مسؤولية الصمت الدولي بشكل غير مباشر عن هذا العنف، فتجاهل ما يحدث ضد المتظاهرين في العراق تحديدا كان له دوره في تجدد وتصاعد حدة العنف. 

 مركز المزماة للدراسات والبحوث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى