الملف الإيراني

الغطاء المذهبي لا يضمن استمرار نفوذ إيران خارج حدودها

لا يمكن لإيران التدخل في أي بلد، إلا إذا استخدمت أدوات طائفية متخلفة تنتمي إلى جماعات ما قبل الدولة، وتوازي تخلف النظام الإيراني نفسه، وتقبل أن تكون أداة بيده. أما الجماعات السياسية الحديثة، المتجاوزة للشكل العصبوي الطائفي البدائي، فإنها تنظر إلى إيران بوصفها دولة منغلقة، ولا تصلح أن تكون قِبلة أيديولوجية للتشكيلات السياسية التي تحترم عقل الإنسان.

وكلما تدخلت إيران عبر عملائها في أي بلد، تركت وراءها الخراب والدمار. معنى ذلك أن العصبيات المذهبية لن تصمد كثيراً أمام تحولات الزمن. وهذه الحقيقة تفسد رهان إيران، لأنها لا تستطيع أن تمد نفوذها وتنشر خرافاتها، إلا في وجود غطاء عقائدي مذهبي، وفي ظل مجموعات طائفية منغلقة على ذاتها، تخرج في تظاهرات أو تحارب من أجل بناء نظام (اللادولة)، كما يحدث في اليمن. فيما الوعي المتزايد بالخطر الإيراني، وبأهمية التمسك بهوية عابرة للطوائف، لا يضمنان للعقل الطائفي الاستمرار في المستقبل. لأن مصير المجموعات الشيعية العربية؛ مرتبط بشكل حتمي مع مصير وتطور الوعي بالمواطنة والسعي لبناء الدولة الحديثة. بدليل أن الهويات المذهبية الصغرى كانت تختفي وتذوب في الهوية الكبرى، عندما تكون الدولة حاضرة بأركان قوتها ودستورها وقوانينها العلمانية.

كما أن التجارب الدموية المرعبة للإسلام السياسي، بشقيه الشيعي والسني، تركت في أذهان الناس مشاهد تدعوهم إلى التمسك بمبدأ احتكار الدولة بمفردها لأدوات العنف. وهذا أحد التعريفات المتداولة لمفهوم الدولة، طبقاً للمفكر عبدالله العروي. والقصد من ذلك أن الدولة مخولة وحدها بامتلاك السلاح وبناء وتنظيم الجيش. ولا مجال لمنع العصابات الدينية من الانتشار والتمدد السرطاني، إلا بالإيمان بأهمية أن تفرض الدولة سلطتها وشرعيتها ومسؤوليتها الكاملة عن حماية كافة مواطنيها.

ولنا في الواقع العربي شواهد مكررة، تكشف أن الخراب هو الثمرة الوحيدة التي يمكن أن تمنحها القوى الطائفية وحروبها بالوكالة. بينما تعززت لدى الشعوب أهمية الدولة ذات الأفق الوطني الجامع، بعيداً عن دولة الطائفة والخرافة.

وإذا كان نظام الولي الفقيه يزعم أنه دولة، فإن الأذرع الذي يربيها ويستخدمها في أكثر من مكان، لا تستطيع أن تنتعش إلا في ظل غياب الدولة التي تمثل جميع المواطنين. وهذا دليل آخر على أن السير وراء المجموعات والميلشيات الموالية لإيران، يؤدي حتماً إلى تمزيق الهويات الوطنية الأكثر تمثلاً للشعوب ذات التعددية الثقافية.

لقد أصبح النظام السياسي في إيران قديماً ومتهالكاً، حتى بالنسبة للإيرانيين أنفسهم، رغم مرور 40 عاماً فقط على ثورة الخميني، لأن فكرة رجال الدين عن الثورة، كانت بعيدة الصلة عن الناس، ومنشغلة أكثر بجعل الجماهير تخدم ثورة رجال الدين، بدلاً من أن تخدمهم الثورة والنظام الذي أنتجته. لذلك يزداد الرفض في أوساط الأجيال الإيرانية الجديدة لإيران القديمة، التي أصبحت مهزومة من الداخل، في وعي الناس وفي تصوراتهم الحالمة بمستقبل أفضل، لا يقل طموحاً وحرية عن الشعوب الأخرى.

الأمر ذاته ينطبق على تدخلات إيران الخارجية. لكن الإعلام لم يسلط الضوء بما يكفي على مظاهرات شباب الشيعة في العراق، حيث تظن إيران أنها تحظى هناك بالقبول والشعبية الفائضة، لأنها تحرك العديد من العملاء والموالين لها طائفياً وعسكرياً.

كانت مظاهرات جنوب العراق في منتصف العام الفائت 2018 ضد إيران وضد النخب السياسية العراقية المسيطرة على الحكم بدعم إيراني؛ ومثلت تلك المظاهرات أكبر مؤشر على أن أذرع إيران الطائفية المسلحة لن تصمد في المستقبل. وبالمثل يبدو الحضور الإيراني في البحرين خافتاً، فالأجيال الجديدة سواء من شيعة العراق أو لبنان أو البحرين تزداد وعياً، ويتكثف نزوعها نحو الفردية ونحو الشعور بالانتماء للثقافات والهويات الكبرى، أكثر من الميل نحو الهويات الطائفية والمذهبية الصغرى.

وفي النهاية، لن يستمر أحد في القتال نيابة عن الولي الفقيه، الذي يسرق أموال الإيرانيين، ثم يدعوهم إلى مواجهة عقوبات عالمية، بينما يكتفي بكنز الأموال، وتوجيه اللعنات على من يصفها بقوى الاستكبار. وفي الواقع فإن أسوأ استكبار وخداع يمارس ضد الإيرانيين، إنما يأتي من جانب الكهنة الذين يحكمون باسم المذهب. أما الدول العربية التي تحاول إيران أن تعبث بأمنها وأن تجعلها تعيش في الفوضى وفي مرحلة (اللادولة)، فقد تعلمت الدرس، وثبت للشعوب أن محاولة استعمار العقول بالخرافات، لا يقل خطورة عن تدمير البلدان واستعمارها بشكل مباشر.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

2 أبريل 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق