الغنوشي يتخلى عن موقع رجل الظل ويطمع في بريق السلطة

يستعد زعيم الإخوان في تونس راشد الغنوشي للمشاركة كمرشح نيابي في الانتخابات البرلمانية التونسية المقررة في أكتوبر القادم. وكان الغنوشي ينصح إخوان مصر بعدم التهور في السيطرة على السلطة ومفاصلها، بعد سقوط نظام مبارك. لكنهم لم يستمعوا إلى نصيحته، وحاولوا الحصول على كل شيء، فخسروا كل شيء دفعة واحدة. فيما تحلى الغنوشي حتى الآن بالصبر والزهد الشكلي عن تولي أي منصب حكومي في تونس، لكنه عملياً كان يدير ويوجه كل وزراء وقيادات حركته الذين يتقلدون مناصب رسمية. وأخيراً انتهى زهد الغنوشي، وقرر أن يغادر الظل.

الغنوشي الذي أسس الواجهة الإخوانية في تونس تحت اسم حركة النهضة، يعرف جيداً أن الطبيعة العلمانية التي رسخها الرئيس الراحل بورقيبة، تجعل حظوظ الحركة في تغيير المجتمع التونسي بشكل جذري على هوى الإخوان من الأمور غير السهلة. ويصعب كذلك الانفراد بالحكم والتشريع ورئاسة البلاد من قبل “النهضة”، والتي ينظر إليها العلمانيون في تونس بأنها هي التي جلبت التطرف وشجّعت على انتشار الميول الإرهابية التي ازدهرت ونتجت عنها بعض الأحداث والاغتيالات.

لكن أطماع الإخوان لا تتوقف في كل مكان. لذلك عمل الغنوشي بدهاء على تقاسم السلطة مع الفريق السياسي الأقوى في المشهد التونسي، وظل حتى الآن يحافظ على التوازن الهش، مقابل نيل الحركة مواقع ومناصب وامتيازات. بينما بقي يراقب المشهد بصفته رئيس حركة النهضة، الشريك الأساسي في الحكم.

من الواضح أن التجربة التركية التي بدأت تتداعى كانت في ذهن الغنوشي، وكان يرغب بشدة في أن يستنسخ أنموذج أردوغان في شخصه، لكنه تجاوز السبعين من العمر ولم يعد صالحاً للقيام بهذا الدور، كما أن التجربة التركية بدورها فقدت بريقها. وأصبح الخيار الآمن أمام الغنوشي هو الإبقاء على التحالف الحاكم، وعدم التفكير في استنساخ التجربة التركية، أو حتى المغربية، إلا إذا ظهرت مؤشرات في الشارع التونسي توحي بالمزيد من التفكك لدى المنافسين، وخاصة في ظل أزمة انشقاقات حزب نداء تونس.

ويبدو أن زعيم النهضة قرر أخيراً مغادرة موقع ودور رجل الظل القوي، لكي يلعب دوراً سياسياً مباشراً، يتجاوز قيادة حركة النهضة وشؤونها الداخلية، إلى الاستمتاع بأحد المواقع الرسمية التي تتناسب مع نصيب النهضة وحصتها من كعكة السلطة، التي تواصل قضمها منذ سقوط نظام بن علي.

ويرجح مراقبون أن يكون ترشيح الغنوشي لخوض الانتخابات البرلمانية القادمة في تونس، مقدمة لتولي أحد المنصبين: إما رئاسة الحكومة، وإما رئاسة البرلمان.

وما يجري ليس بعيداً عن حرص الغنوشي نفسه ومن يوالونه على الاحتفاظ بلقب (الرئيس) مهما كان مصدره، وخاصة أن نظام حركة النهضة الجديد يقتضي أن يغادر الغنوشي موقع رئاسة الحركة في العام القادم.

طموح الغنوشي للوصول إلى رئاسة البرلمان التونسي، أو إلى تشكيل الحكومة إذا ما حصلت النهضة على أغلبية نيابية، لا يمكن النظر إليه كما ينظر أحدنا إلى شأن سياسي محلي عابر. فالنهضة ليست حركة سياسية مدنية، مهما عمل الغنوشي على تجميلها وتمدينها في التجمعات والمؤتمرات الأخيرة. لأن جميع حركات الإسلام السياسي غير قادرة بنيوياً على مغادرة أساس تكوينها القائم على تسييس الدين وأسلمة السياسة.

كما أن تخطيط حركات الإسلام السياسي للوصول إلى التمكين والسيطرة على الحكم، يهدف جوهرياً إلى نسف وتغيير البيئة القانونية والثقافية للمجتمعات، وجعلها متوائمة مع تصورات الإسلام السياسي وحركاته، التي لا تؤمن بالتعدد ولا تقبل بالآخر المختلف عنها فكرياً.

وفي رصيد الغنوشي وعودا قطعها أمام السلفيين المتطرفين في تونس، مفادها أن الوقت وحده كفيل بتلبية أهدافهم وما يصبون إليه من إنهاء لمظاهر العلمانية وتشريعاتها في تونس. وإذا ما حصلت حركة النهضة (الإخوانية) على أغلبية برلمانية في الانتخابات التونسية القادمة، فإن القلق بشأن فرض تغييرات قانونية تنتقص من الحريات سوف يتزايد، مما يمهد لدخول حركة النهضة في صدام مع الشارع. فهل يكرر الغنوشي الخطأ الذي ارتكبه إخوان مصر وهو الذي حذرهم من خطورته؟ الفترة القادمة سوف تجيب على هذا السؤال وتحدد مصير إخوان تونس في الآن ذاته.

 

مركز المزماة للدراسات والبحوث

22 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق