القرصنة الإيرانية تواجه بترتيبات دولية لحماية أمن الملاحة

تحولت تهديدات إيران باستهداف الملاحة رداً على العقوبات الأميركية، إلى قرصنة بحرية مكتملة الأركان في مياه الخليج. وكان هدف طهران استعادة أو بناء شعبية في الداخل للنظام المتهالك، بعد انهيارات اقتصادية شاملة، وعقوبات متدرجة، وصلت إلى دينامو القوة العسكرية والاقتصادية ممثلاً بالحرس الثوري.

ما ساعد النظام الإيراني على التمادي في خوض تجربة القرصنة وأعمال التخريب، أن التحليلات ظلت تتجه نحو استبعاد حرب مباشرة وواسعة مع الولايات المتحدة الأميركية. وكانت المراهنة الإيرانية على ظروف وإكراهات ما تسمى في مثل هذا التوقيت في أميركا بالبطة العرجاء، وهي الصفة المعنوية التي تطلق على الرئيس الأميركي في السنة التي تسبق انتخابات الرئاسة، حيث لا يمكن له اتخاذ قرارات مصيرية مدعومة سياسياً، وبخاصة إذا وجدت احتمالات تجعل القرارات المزمع اتخاذها تؤدي إلى تآكل حظوظه بالفوز، وإذا ما كانت نتائجها السلبية محسومة. لكن على ما يبدو وفي استثناء نادر، لم تعد البطة عرجاء في هذا الموسم، لأن القرصنة الإيرانية ومن خلال تماديها في اختطاف ناقلة بريطانية، اعتدت بشكل عملي على مصلحة الحليف البريطاني التقليدي لواشنطن. بالتزامن مع صعود بوريس جونسون، الزعيم الجديد على رأس حزب المحافظين، الذي يرى المتابعون أنه المعادل الموازي لترامب في بريطانيا.

لا ننسى أن ما يحدث بين إيران والولايات المتحدة ليس بعيداً عن الضغوط المتعلقة بالتوجه الأميركي نحو إعادة صياغة اتفاق نووي جديد مع إيران. وبدورها كانت طهران ولا تزال تراهن على الأطراف الأوروبية التي أبدت حرصاً في الحفاظ على الاتفاق غير المرضي عنه أميركياً. إلا أن ملف القرصنة الإيرانية في مياه الخليج قد يدفع الأوروبيين إلى الانسحاب من الاتفاق النووي وإسقاطه بشكل نهائي، وهذا الأمر يرفع الغطاء عن إيران بشكل نهائي ويجعل من محاسبتها وزيادة دائرة العقوبات ضدها تتسع لتشمل الأوروبيين أيضاً.

وبالتزامن مع احتجاز إيران للناقلة البريطانية، وتحججها باحتجاز البريطانيين لناقلتها في جبل طارق، تناقلت وسائل الإعلام تقريراً بريطانياً يشير إلى أن لجوء إيران إلى أعمال قرصنة ضد الملاحة الدولية في الخليج، سوف يعرض الاتفاق النووي للخطر، وبالتالي يدفع الدول الأوروبية إلى اتخاذ موقف مماثل وداعم للولايات المتحدة، بشأن طلب إعادة التفاوض حول الملف النووي بشروط جديدة.

ورغم أن إيران تحاول إبراز تحركاتها ضمن إطار من الشجاعة المزيفة، كما تسوِّق للنظام في الداخل، وضمن حالة متوهمة من المقدرة على استخدام الحرس الثوري كأداة لتنفيذ عمليات قرصنة بارتجال غير محسوب العواقب، إلا أن التقييم الدولي لتلك التحركات، يصنفها ضمن محاولات إيران اليائسة لكسر العقوبات الأميركية، دون الحذر من أنها قد تؤدي إلى رد فعل عكسي يزيد من العقوبات.

من الناحية العملية لم تكسب طهران شيئاً من وراء قرصنتها الأخيرة، بعد سلسلة من أعمال التخريب والتصعيد وتحريك الحلفاء لدعم حملة التخريب والاستهداف والقرصنة في مياه الخليج العربي. كل ما حصلت عليه إيران حتى الآن هو احتمالات انضمام بريطانيا إلى جانب الولايات المتحدة لفرض عقوبات إضافية ضدها، على خلفية احتجاز الناقلة البريطانية. وقد يقدم زعيم المحافظين ورئيس الوزراء الجديد بوريس جونسون على هذه الخطوة فور تسلمه منصبه، لتقديم أوراق اعتماده وإثبات مدى صرامته وفاء لمن صوتوا له وهم يراهنون على مزاجه الحاد، وينتظرون ترجمته في قرارات من هذا النوع الشعبوي، للرد على الدولة المارقة التي اختطفت الناقلة.

من جهة أخرى، هناك صورة تحاول إيران تسويقها إلى العالم، ولا يفضلها اللاعبون الكبار، لأنها تفتح الأبواب أمام المزيد من العبث والانفلات من قبل القوى والدول الأخرى المشاغبة وغير المنضبطة، إذ تشكل إيران عملياً حالة تمرد دولي، ليس فقط على الولايات المتحدة، بل وعلى الأوروبيين والعالم، لأن أمن الطاقة والملاحة وقضية تأمين عبور الناقلات تتصل بالتجارة العالمية. وفي المقابل هناك أيضاً الحالة الكورية الشمالية، التي تبحث عن قدوة للتمرد لتعزز نهجها غير المنضبط، وتجد في إيران مثالاً لنهج التمرد. لذلك يصبح وضع حد لإيران وإلجام سلوكها التخريبي المنفلت، بمثابة رسالة إلى كل من يفكر في العبث بثوابت الأمن الإقليمي والدولي. والأيام القادمة كفيلة بكشف سيناريوهات الأحداث. فإما أن تتجه نحو التراجع عن التصعيد، في مقابل تشكيل تحالف دولي عاجل لحماية أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، بالتزامن مع استقدام قوات أميركية جديدة إلى المملكة العربية السعودية. وإما أن تتجه الأحداث نحو الأسوأ، وبخاصة إذا ما واصلت إيران أعمال القرصنة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

24 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق