الملف الإيراني

المخطط الإيراني وضرورة إفشاله

إشارات جلية لكل متابع أو حتى راصد لآخر التطورات على الساحة الإيرانية، وممارسات الحرس الثوري الأخيرة، وما تبقى من خيارات قليلة ومحدودة للغاية أمام النظام الإيراني لمواجهة التحديات الصعاب ومستحيلة العلاج، تتحدث هذه الإشارات عن تزايد احتمالية توجيه ضربة عسكرية لقواعد الحرس الثوري والمنشآت النووية الإيرانية، بصورة قاصمة تكسر ظهر النظام وتضعف الحرس الثوري لأدنى المستويات لدرجة تشل قدرته على تنفيذ مخططه في إشعال المنطقة بأكملها.

أهم هذه المؤشرات، ما أثبتته العديد من التقارير عن وجود قرار قد اتخذ في طهران، يقضي بوجوب استفزاز الولايات المتحدة ودول المنطقة لدفعها إلى استخدام القوة العسكرية ضد إيران، لتسعى الأخيرة إلى إشعال المنطقة عن طريق ضرب الملاحة البحرية والجوية بتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف ناقلات النفط وطائرات الشحن وبعض المواقع الحيوية في المنطقة لدرجة تشكل معه تهديدا للأمن العالمي، ما يدفع المجتمع الدولي إلى ممارسة الضغوط على إرادة ترامب للتوصل إلى اتفاق مع إيران ترفع بموجبه العقوبات المتعلقة بتصدير النفط الإيراني والمعاملات البنكية، وهذا هو الخيار الوحيد الذي أصبح يرى منه النظام الإيراني أملا في البقاء لفترة أطول، إذ تؤكد التقارير والتي تخشى السلطات الإيرانية الكشف عنها، أن نتائج العقوبات الأميركية على النظام الإيراني كارثية، ولا يمكن لهذا النظام الاستمرار في الحكم في ظل هذه العقوبات، فالداخل يشتعل، والحياة أصبحت مستحيلة للمواطن الإيراني، وفي حال استمرت هذه العقوبات فإن النظام الاقتصادي والمالي لإيران سينهار بشكل كامل خلال سنة أو سنتين على الأكثر، والسلطات الإيرانية تدرك أن استمرار هذا الوضع سوف يؤدي إلى انفجار داخلي ينهي عمر النظام، لذا فإن الحل الوحيد أصبح جر المنطقة إلى حرب وفوضى لا تنتهي إلا بالوصول إلى اتفاق يرفع العقوبات عن إيران.

هذا يعني أن إيران سوف تستمر في استفزاز المجتمع الدولي عن طريق تنفيذ المزيد من العمليات الإرهابية والأعمال الاستفزازية في المنطقة، غير أن ما تنتظره إيران ونتائج ما قد تحدثه من مثل هذه الأعمال لن تكون بكل تأكيد كما توقعته القيادة الإيرانية، فإيران تجهل أن الطائرة التي اسقطتها ربما تكون إحدى مئآت الطائرات التي تحلق حولها وفوقها دون درايتها، وأن هناك مقاتلات لا يمكن للقوات الإيرانية رصدها أو العلم بها، ثم أن وقف الرئيس الأميركي الضربة العسكرية لإيران لا يعني إلغائها مطلقا، بل تأجيلها، وكل تأجيل في هكذا مواضيع عسكرية يعني تكتيكا وإعادة تموضع، فالولايات المتحدة وحلفائها يعملون على وضع استراتيجية تأتي بنتائج ناجحة وعلى عكس توقعات قادة الحرس الثوري، بحيث يتم تحديد كافة الأهداف الإيرانية التي من الممكن أن تشكل خطرا على أمن المنطقة ومراكز السيطرة وقواعد إطلاق الصواريخ ثم نسفها مرة واحدة حتى لا يكون لإيران أي قدرة على تنفيذ مخططاتها الهادفة إلى إشعال المنطقة.

المخطط الإيراني القائم حاليا يشير إلى أن الحرس الثوري يهدف إلى جر الولايات المتحدة لتنفيذ ضربة عسكرية لإيران، عبر الاستمرار بتنفيذ عمليات إرهابية ومخططات متنوعة كمحاولة لإشعال المنطقة بحروب وفوضى عارمة، وقد كشفت بعض الأوساط الإعلامية أن الحرس الثوري قد نصب عددا من الصواريخ الأميركية التي كان قد حصل عليها من العراق، لإطلاقها على تجمعات مدنية في إيران ثم إلصاق التهمة بالولايات المتحدة بضرب تجمعات مدنية، ولا شك من وجود نوايا لدى الحرس الثوري من تنفيذ عمليات إرهابية في الدول الخليجية، لتشكيل تهديد على المصالح الإقليمية والعالمية.

ومن المؤكد أن القيادات العسكرية والسياسية الإيرانية قد وضعت عدة سيناريوهات للتعامل مع أي ضربة عسكرية ستوجه لها من أي جهة كانت، ومن دراسة العقلية الإيرانية وخاصة العسكرية، ومتابعة تصريحات القادة الإيرانيين حول هذا الموضوع، يمكن وضع أقرب تصور وسيناريو للرد الإيراني على أي ضربة عسكرية وكيفية التعامل معها، وخاصة في ظل الظروف التي تتصاعد فيها حدة التوترات بين إيران والدول الخليجية وعلى رأسها السعودية والإمارات.

ترى بعض القيادات الإيرانية أن أفضل طريقة للتعامل مع أي هجوم أو اعتداء عسكري على إيران هو توسيع دائرة نطاق الحرب لتشمل منطقة الخليج كاملة، وهي الخطة التي من المتوقع أن “تحاول” طهران تنفيذها في حال تعرضت إلى ضربة عسكرية، أي أن الحرس الثوري سيقوم بنقل المعركة إلى الجوار الخليجي وباستخدام أذرعه في المنطقة، وذلك لأهداف عديدة أهمها:

أولا: أن توسيع دائرة الحرب لتشمل دولا مثل السعودية والإمارات والبحرين يعني إلحاق أضرار كبيرة لهذه الدول وبالمصالح الأميركية والغربية فيها، ومن المعروف أن أي صاروخ أو حتى قنبلة لا قدر الله وانفجرت في أحدى المدن الخليجية، فإن خسائرها الاقتصادية ستصل إلى مليارات الدولارات، وهذا الشيء يعلمه القادة الإيرانيون، بينما توجيه ضربات عسكرية لإيران لن تلحق أضرارا اقتصادية كبيرة بسبب عدم تمتع إيران ببنية تحتية متطورة أو مبان شاهقة أو استثمارات تخشى عليها من الهرب.

ثانيا: إشعال المنطقة عسكريا يعني تعطيل مصالح العديد من الدول العظمى وعلى رأسها الدول الأوروبية واليابان والصين وحتى روسيا، لأن هذه المنطقة تعتبر الشريان الرئيسي لعبور الطاقة إلى تلك الدول، وبإشعالها ستضطر هذه الدول للتدخل لوقف الحرب والتي سيكون منها وقف ضرب إيران عسكريا والتفاوض معها بعد رفع العقوبات.

ثالثا: تريد إيران أن تنتقم من السعودية والإمارات، فهي ترى أنها حائط الصد المنيع للإرهاب الإيراني، والسبب الرئيسي في إفشال مشروع الخميني في تصدير الثورة ومد النفوذ الإيراني في الدول العربية، وبنقل المعركة إلى هذه الدول تكون إيران قد حاولت الانتقام من هذه الدول وإلحاق الضرر بها.

رابعا: يعتقد النظام الإيراني أن إشعال حرب خارجية تعني تماما إطفاء النيران الداخلية، والتي اشتعلت مؤخرا ضد النظام الإيراني ورأسه علي خامنئي، وهناك تقارير إيرانية صادرة عن وزارة الداخلية تؤكد أن الاحتجاجات الشعبية سوف تتجدد قريبا، لذا فإن النظام الإيراني سيجد من أي ضربة عسكرية له فرصة لأجل إشعال نيران الخارج ليطفئ الغضب الشعبي ويخمد المظاهرات ويكمم أفواه المعارضين على اعتبار أن أي معارض للنظام في ظرف الحرب يعتبر خائن للوطن.

لذا فإن نسبة احتمالية توجيه ضربة عسكرية لإيران في الأشهر المقبلة تتصاعد حتى يمكن القول “مع وجود عدة مؤشرات” أنها أصبحت تزيد هذه النسبة عن 90%، ما يعني ضرورة تحديد كيفية ونوعية الضربة العسكرية التي لا بد من توجيهها لقواعد ومراكز الحرس الثوري بحيث تضمن شل حركة القوات والأذرع الإيرانية ومنعها من تشكيل أي تهديد على أمن واستقرار المنطقة وإحباط كافة مخططات الحرس الثوري الرامية إلى إشعال المنطقة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

23 يونيو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق