الإسلام السياسيشؤون دولية

انهيار السلطان أردوغان: الأسباب والدلالات

تؤكد نتائج سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على الصعيد السياسي والاقتصادي، وخاصة على الساحة الدولية، أن ثمة قصور ونقص في العقلية التي تدار بها البلاد، أدت تراكماتها السلبية طوال سنوات حكم أردوغان إلى أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متفاقمة، وضعت الدولة التركية في حرج دولي وإقليمي ومأزق داخلي، لتؤكد هذه النتائج أن أردوغان لم يكن سياسيا حتى من الدرجة الثانية، ولم تكن سياساته ورؤيته للوقائع ناضجة، وعلمية تقييمية ما أفرز سخطا شعبيا انبثق عنه سقوط الشرعية وتكسير القاعدة الشعبية لأردوغان وحزبه “حزب العدالة والتنمية” أشارت إليه في الآونة الأخيرة العديد من الدلائل آخرها خسارة مرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم بن علي يلدرم في إعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول، والتي تعتبر ضربة موجعة للرئيس التركي أردوغان ولها مؤشرات صعود أسهم المعارضة في مقابل هبوط  شعبية الحزب الحاكم.

في الانتخابات البلدية الأخيرة التي جرت في مارس الماضي خسر الحزب الإخواني بزعامة أردوغان العاصمة السياسية أنقرة، والعاصمة الاقتصادية اسطنبول، والعاصمة التجارية والسياحية أزمير، إلا أن خسارة اسطنبول التي سيطر عليها حزب أردوغان طوال 25 عاما شكلت ضربة قوية وموجعة للرئيس التركي، الذي سارع إلى رفض هذه الانتخابات وإصدار الأوامر بإعادة إجراء الانتخابات، بذريعة حدوث تزوير ومخالفات، فجاءت انتخابات اسطنبول الأخيرة لتشكل هزيمة سياسية مريرة لأردوغان تعتبر الأثقل والأكثر انتكاسة كونه صاحب قرار إعادة الإنتخابات.

هذه الهزائم السياسية التي مني بها الرئيس أردوغان داخليا وخارجيا، أفرزت أزمات أضرت بالبلاد ومؤسساتها وألحقت أضرارا كبيرة بالمواطنين اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا، ويمكن إرجاع سبب فشل أردوغان وخسارته للقاعدة الشعبية، وتلاحق هزائمه إلى عدة عوامل داخلية وخارجية، شكلت جميعها نهاية موجعة وحتمية للرئيس التركي، وأهمها:

أولا: ربط الدولة التركية بمصير تنظيم الإخوان، وترجيح مصالح التنظيم على المصالح الوطنية، وتسخير إمكانيات ومؤسسات البلاد لخدمة تنظيم الإخوان المصنف إرهابيا ودعمه سياسيا واقتصاديا بما يتناقض مع مصالح الدولة والمواطن التركي ويلحق الضرر بعلاقات تركيا الخارجية مع المجتمع الدولي.

ثانيا: معاداة رجب طيب أردوغان للدول العربية وعلى رأسها السعودية والإمارات ومصر وغيرها، والتضحية بمصالح ومنافع كبيرة قائمة على علاقة تركيا بالدول العربية من أجل دعم قطر ومساندة مواقفها العدائية ضد الدول العربية، وهو ما اعتبر خطأ استراتيجيا كبيرا كلف تركيا خسائر فادحة على الصعيد السياسي والاقتصادي.

ثالثا: دعم النظام التركي للجماعات الإرهابية في سوريا وليبيا والعراق، والتدخل بشكل سافر في الملفات الإقليمية بما يخدم مشاريع أردوغان التوسعية، فكانت النتيجة إهدار عشرات المليارات من أموال الشعب التركي، وتعريض البلاد لمخاطر وتهديدات أمنية وعمليات إرهابية جراء إيواء الإرهابيين وتحويل تركيا إلى مركز لتدريب الجماعات الإرهابية وجسرا لعبورها إلى سوريا والعراق.

رابعا: حملات القمع والاعتقال التي تمارسها السلطات التركية ضد المعارضين، ولاسيما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي استغلها أردوغان أبشع استغلال، وتمكن من خلالها من إقصاء الرافضين لسياساته وتهميش الأحزاب والشخصيات المعارضة، واعتقال وسجن عشرات الآلاف من النشطاء والسياسيين وقيادات عسكرية وأمنية ومسؤولين في القضاء، حتى دخل الحزن غالبية منازل الأتراك، فكانت السبب في هدم القاعدة الشعبية التي استطاع أردوغان بناءها عبر الخطب الشعبوية والتصريحات النارية.

خامسا: تعزيز وتوسيع العلاقات مع أنظمة وتنظيمات منبوذة دوليا، وتعاني من عزلة وعقوبات إقليمية وعالمية، وعلى رأسها النظام الإيراني والإخوان وتنظيم الحمدين، مناكفة بالدول الداعمة لمكافحة الإرهاب الإخواني، والرافضة للمشاريع التركية التوسيعة، وبدلا من أن تقوم إدارة أردوغان ببناء علاقات إيجابية مثمرة مع المجتمع الدولي تصب في مصلحة البلاد، راحت توسع العلاقات مع جهات وأطراف لا يأتي من إقامة العلاقات معها سوى الضرر والخسائر وإثارة غضب المجتمع الدولي.

سادسا: الأوضاع الإقتصادية والمعيشية السيئة التي يعاني منها المواطن التركي، فقد بلغت نسبة التضخم 20%، بالإضافة إلى انهيار الليرة التركية ووصلت معدلات البطالة إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، ما ساعد على تشكيل جبهة معارضة واسعة داخلية لأردوغان.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

1 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق