بعد فشل الخطوة الثالثة … إلى أين تتجه إيران في التزامها بالاتفاق النووي؟

 بعد مرور نحو عام وأربعة أشهر على انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في 8 مايو 2018، وهو الإجراء الذي تسبب في إعادة فرض عقوبات صارمة على إيران، ما جعلها تواجه مشكلات اقتصادية ومالية وتجارية متفاقمة، وبعد هذا الإجراء الأميركي، قررت إيران أن تقلل التزاماتها بالاتفاق النووي، وقد اتخذت حتى الآن ثلاث خطوات في هذا الإطار.

أعلنت إيران رسميا أنها بدأت تنفيذ الخطوة الثالثة من تقليص التزاماتها بالاتفاق النووي في إطار الانسحاب التدريجي منه، متراجعة عن بعض البنود التي كان قد هدد المسؤولون الإيرانيون بتنفيذها في حال لم تستجب الدول الأوروبية للمطالب الإيرانية، وعلى رأسها الإعلان الرسمي عن تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، وفرض قيود على عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية وغيرها، ما يفسر أن إيران تدرك خطورة هذا المسار وتخشى من ردة فعل دولية تزيد من عزلة إيران أو ربما تعرضها لضربة عسكرية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وقبيل هذا الإعلان، كان رئيس منظمة الطاقة الذرية “علي أكبر صالحي” قد أبلغ نوابا في مجلس الشورى الإيراني بأن طهران سوف تستأنف العمل في مفاعل آراك النووي للماء الثقيل الذي يمكن استخدامه في المفاعلات النووية لإنتاج البلوتونيوم وهو وقود يستخدم في صناعة الرؤوس الحربية النووية، وفي الإطار نفسه كان العضو في مجلس الشورى الإيراني “غلام علي جعفر زاده” قد أكد نقلا عن علي أكبر صالحي أن إيرن خصبت بعد الاتفاق النووي 24 طنا من اليورانيوم وليس 300 كلغم كما أعلنت، وهذا يعني أن إيران استبقت سرا انتهاكها للاتفاق النووي، وأنها لا تزال عازمة على الخروج منه، لا سيما وأن المحادثات التي كانت دائرة بين إيران وأطراف أوروبية وخاصة فرنسا قد باءت جميعها بالفشل ولم تصل إلى أي نتيجة.

ومع تنفيذ إيران للخطوة الثالثة، وإصرارها على إعطاء مهلة أخرى لتنفيذ الخطوة الرابعة، وما كشفه بعض مسؤوليها عن انتهاكات كبيرة لبنود الاتفاق، تكون قد شيّعت أي مساع أو مفاوضات إلى مثواها الأخير، ولا يتوقع تحقيق أي تقدم في دائرة الحوار أو التفاوض مع إيران بعد الوصول إلى هذه النقطة الحرجة من عمر الاتفاق النووي.

وبالنظر إلى نتائج الخطوات الثلاث التي اتخذتها طهران حتى الآن، ندرك تماما أن خفض الالتزامات النووية لم يؤثر على سلوك الطرف المقابل حتى الآن، وخاصة الطرف الأوروبي الذي لا يزال لم يقدم أي شيء لإيران أو ينفذ أي من المطالب الإيرانية.

وما يجب وضعه في عين الاعتبار من باب تحليل الموضوع من منظور الرؤية المستقبلية والتداعيات، فإنه يجب مراعاة أن تفسير العالم لإجراءات إيران في تقليص التزاماتها ليس نفس تفسيرهم لإجراءات الولايات المتحدة، فما تفعله إيران تحت عنوان خفض التزاماتها بالاتفاق النووي يعتبر عملا استفزازيا وانتهاكا صريحا للاتفاق النووي، واستعدادا للخروج منه، أو في مرحلة ما ستعتبر إيران قد خرجت منه بالفعل، وبالتالي عودة كافة العقوبات الدولية على إيران وتحويل الملف إلى مجلس الأمن، فلن تنظر أي دولة على أن ما تفعله إيران هو حقا لها، لأسباب عديدة، أهمها  أن إيران الطرف الرئيسي في هذا الاتفاق، وأن باقي أطرافه ملتزمة به، فضلا عن أن عملية التقليص تعني أن إيران تتحرر من قيود صناعة القنبلة النووية، في ظل وجود تقارير استخباراتية تؤكد عزم إيران الحصول على سلاح نووي، وهو ما لا يعتبر نتيجة إيجابية لإيران.

إن عملية المضي قدما في مسار تقليص الالتزامات النووية ستؤدي بكل تأكيد إلى ابتعاد الاتحاد الأوروبي عن إيران، وهو هدف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما يعني أن صناع القرار في إيران يعملون بما يخدم أهداف الرئيسي الأميركي بشكل غير مقصود كنتيجة لسوء تقدير وربما تعمدا لإشعال حرب وفوضى في المنطقة، وفي حال انهيار الاتفاق النووي، والعودة إلى نقطة الصفر وعهد ما قبل هذا الاتفاق، فإن الظروف الحالية ستجبر المجتمع الدولي على نقل البرنامج النووي الإيراني إلى مجلس الأمن بطلب أوروبي أميركي مدعوم من قبل غالبية أعضاء الأمم المتحدة، وفتح الأبواب للجوء إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة فضلا عن استباق ذلك بعودة كافة العقوبات الأوروبية وتشديدها على إيران.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

12 سبتمبر 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق