تخبّط قطري في الداخل والخارج

توهمت قطر أنها عثرت على مداخل قانونية للمزايدة على دولة الإمارات العربية المتحدة في الخارج، وبالذات أمام المنظمات الدولية. لكن الفشل على المستويين الداخلي والخارجي كان من نصيب قطر. ويمكن القول إن قطر تسببت في ردود أفعال منطقية تجاهها، لأن رفضها التوقف عن دعم الإرهاب واستمرارها في التطبيل للتطرف وإيواء رموزه، جعل من مقاطعتها سياسيا تكتسب شرعية رسمية وشعبية ولم يعد أحد يتحدث عن المظلومية المزعومة سوى الدوحة.

وكان موقفا غريبا أن تقف قطر إلى جانب الإرهاب والمنظمات التي تم إدراجها خليجيا على لائحة المنظمات الإرهابية. فمصلحة دول الإقليم وأمنها يجب أن يكونا قاعدة راسخة تلزم الجميع بإدراك المخاطر، لكن قطر ظلت متصالحة مع الإرهاب ومنظماته، لذلك تمسكت بموقفها المعاند والمتضامن مع كل أشكال الفوضى والتطرف. فاستحقت المقاطعة، وهي إجراء شمل المستويات الرسمية، بينما تم الإبقاء على المستويات الاجتماعية والأهلية المرتبطة بالمواطنين وفقا للإجراءات المتبعة وبما يتطلبه حماية الأمن القومي.

إلا أن قطر حاولت استغلال هذا الملف ثم فشلت، مثل بقية ألوان الفشل الأخرى التي سقطت فيها أمام الشعب القطري، ولم تتمكن من تبرير انسلاخها عن البيت الخليجي واندفاعها للتماهي مع إيران وتركيا وتنظيمات الإرهاب. ولم يعد أمامها لتبرير عدوانيتها إلا إقناع القطريين بالتعصب الإجباري مع نظام يقفز في المجهول ويستخدم السياسة الخارجية لقطر وأموال القطريين للعبث بأمن المنطقة.

الفشل القطري الجديد تم الإعلان عنه هذه المرة من جنيف، حيث تمكنت دولة الإمارات من تفنيد الادعاءات القطرية الكيدية أمام لجنة القضاء على التمييز العنصري. بعد أن قفزت قطر بمبالغة وحقد إلى تقديم شكوى لا أساس ولا مبرر لها، ولا علاقة للتمييز العنصري بها، لأن كافة الدول عندما تتخذ إجراءات طبيعية لحماية سيادتها لا يمكن اتهامها بالتمييز العنصري.

وقبل يومين قدمت دولة الإمارات بيانها أمام لجنة القضاء على التمييز العنصري في جنيف، وتمكنت من تفنيد الأوهام القطرية. ويضاف الفشل الجديد للدوحة إلى سلسلة من التخبط والمواقف المرتبكة لها داخليا وخارجيا. حيث لجأت، بنصائح من مستشارين يورطونها في مآزق متكررة، إلى الادعاء بأن الإجراءات والتدابير المشروعة التي اتخذتها دولة الإمارات تشكل “تمييزا عنصريا”، بينما يعلم الجميع أن ما قامت به الإمارات ودول الرباعية العربية كان بمثابة رد فعل طبيعي على الممارسات القطرية في دعم التطرف والجماعات الإرهابية، ولا تنطبق على تلك الإجراءات نصوص اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (اتفاقية CERD) فعندما تطلب دولة من مواطني دولة أخرى التقدم بطلبات رسمية لدخول أراضيها والخضوع للتدقيق، فإن ذلك ليس تمييزا عنصريا بل هو حق مكفول لحماية الأمن، وهذا إجراء لا تقوم به الإمارات وحدها. هذا كان أساس دفاع الفريق القانوني الإماراتي. وتم بسهولة كشف التعنت القطري وتضييع وقت المنظمات الدولية في مناقشة دعاوى كيدية، الهدف منها سعي النظام القطري إلى تسجيل نقاط إعلامية والبحث عن عناوين عريضة لم يكتب لها أن تتحقق وأن تنجح.

وإزاء دعوى قطر التي لا تقوم على أسس منطقية لأنها تدافع عن إرهابيتها وحقها في دعم التطرف، استعرض الوفد القانوني الإماراتي في جنيف الحجج القانونية التي تثبت أن شكوى قطر لا تستند إلى أساس قانوني، ما يؤكد أن أسلوب قطر يعتمد على التلفيق وتضييع الوقت والتهرب من الإشكالية التي وقعت فيها الدوحة والتي يجب أن تراجع نفسها بشأنها، إذا كانت جادة في إنهاء أسباب المقاطعة بالفعل. وأساسها دعم وإيواء قطر للإرهابيين وتمويلها للتطرف وفكره ومنطلقاته وشخوصه إعلاميا وماليا.

ونلاحظ أن الفشل والتخبط القطريين يميزان سياسة الدوحة طوال الفترة الماضية. ويبدو أن اعتياد نظام الحمدين على سلوك التخبط لم يعد يثير الحساسية لدى رموز النظام، خاصة أنهم يعلقون كل أسباب الفشل أمام الشعب القطري على شماعة ما يصفونه بالحصار، بينما هو مقاطعة فرضت نفسها، بعد أن أصبح من غير المعقول التعاطي مع دولة تريد أن تصبح شريكة مع دول الإقليم وهي تعمل ضد الجميع بأساليب مكشوفة إعلاميا وسياسيا.

وكانت الشراكة غير المبررة بين تنظيم الإخوان من جهة، وبين نظام الحمدين من جهة أخرى تمثل أساس الإشكالية القائمة. لأن التحالفات الطبيعية هي التي تحدث بين الدول التي تمثل كيانات سياسية مشروعة، ولديها تعهدات باحترام القانون الدولي وسيادة الآخرين. أما قطر فإنها عقدت صفقة وتحالفا مع تنظيم لا يزال يحلم بأن تكون له دولة. وذلك التحالف أضر بقطر ثم دفعها إلى الذهاب إلى المنظمات الدولية لتقديم الشكاوى الكيدية، بينما الحل بسيط للغاية، وهو أن تفك ارتباطها بالإرهاب ورموزه، وتتوقف عن دعم التطرف ماليا وإعلاميا، لكن ورطة الدوحة تبدو أكبر من حجمها، لأنها أصبحت ملتزمة بتعهدات لإيران وتركيا ولتنظيمات الإسلام السياسي، ولطموحات وخيالات مريضة يقوم بنسجها مستشارون يعتقدون أن مستقبل الشعوب لعبة في أيديهم.

في النهاية لم تستفد قطر شيئا من الدعوى التي رفعتها في جنيف، بقدر ما تحولت إلى محل سخرية، لأن العنصرية لا مكان لها في الإمارات بلد التسامح والتعايش، وإنما لأجل حماية الأمن من بؤرة الإرهاب في قطر تم فرض إجراءات من السهل اتباعها والتقيد بها عبر الإنترنت، مقابل حصول المواطن القطري على موافقة لدخول الإمارات. وهذا ما قام بشرحه الفريق القانوني الإماراتي وكان مقنعا ومنطقيا.

والدليل على الفشل القطري الجديد أن قطر تراجعت عن الدعوى التي رفعتها، وطالبت في المقابل بتشكيل هيئة توفيق، ما يدل على ضعف موقفها أمام دولة الإمارات. كما أن الدعوى القطرية الفاشلة والمنهارة تندرج ضمن الأكاذيب وحملات العلاقات العامة التي تراهن عليها، لتصدير مظلومية مزعومة، عبر سرد معلومات زائفة. وتهدف من وراء كل ما سبق إلى إخفاء الممارسات القطرية الأكثر خطورة، والمتعلقة بدعم الإرهاب وتأجيج النيران في المنطقة، واستخدام المال القطري لزعزعة الأمن والاستقرار، في الوقت الذي يحرص فيه الجميع على أن يعم الاستقرار والسلام دول المنطقة.

رابط المقال: بجريدة. العرب تخبّط قطري في الداخل والخارج

بقلم: د. سالم حميد

6 مايو 2019

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق