الإسلام السياسيشؤون عربية

تركيا وقطر ثنائي متورط بدعم الإرهاب في ليبيا عسكرياً وإعلامياً

يتحدد حجم الدور القطري في ليبيا بمقدار حجم الدوحة نفسها، والتي تلعب دور الممول والداعم الإعلامي. بمعنى أن قطر مجرد حقيبة نقود ومنصة إعلامية. بينما يتزايد حجم الطمع التركي في ليبيا، وتقدم أنقرة دعماً عسكرياً مباشراً للمليشيات في طرابلس عبر جسر جوي ورحلات بحرية.

وكلما زادت مؤشرات الضغط من قبل الجيش الليبي الوطني على عصابات الإخوان في طرابلس، تلمح تركيا إعلامياً عبر تسريبات في مصادر متعددة إلى أنها قد تتدخل بشكل عسكري مباشر. وهذا الاستعداد التركي لخوض مغامرة عسكرية في ليبيا لا ينطلق من روح عثمانية أيديولوجية فقط، بل إن أردوغان يمزج في الساحة الليبية بين الأيديولوجيا والتعاطف الانتهازي مع الإخوان، وبين توقعات بتحقيق مكاسب مادية مستقبلية مضمونة.

تستقبل تركيا من فترة لأخرى ضيوفاً من طرابلس التي تسيطر عليها المليشيات، ومؤخراً أصبحت تنشر تسريبات لجس النبض، تفيد باحتمالات قرب تدخلها لإنقاذ حلفائها من زحف الجيش الليبي. بينما تكشف وكالات دولية عن أن هدف أردوغان توفير فرصة مضمونة لدعم الاقتصاد التركي، من خلال الحصول على امتيازات في ليبيا تتعلق بقطاعات النفط والغاز وصفقات إعادة الأعمار. والحصول على صفقة مربحة يتطلب فوز وانتصار حلفاء تركيا لتحويل ليبيا إلى حديقة خلفية لأردوغان ومحفظة مالية لإنعاش الاقتصاد التركي.

بدأ تفاؤل تنظيم الإخوان وبقية الفصائل الإرهابية بالسيطرة على ليبيا بالتزامن مع سقوط نظام القذافي. وكان سقوط نظامه مستحقاً بالفعل، لأنه ترك الليبيين في وضع اللادولة واللانظام. وعبث بثروة الشعب الليبي، مما أدى إلى تأخر بناء المؤسسات الطبيعية التي يحتاجها أي بلد. كما أن الاهتمام بالبنى التحتية كان منعدماً، رغم العائدات الكبيرة التي تحققها ليبيا من بيع النفط.

وفي ظل الفراغ السياسي الذي أعقب انتهاء نظام القذافي، ومع وجود بنية اجتماعية قبلية محافظة، ظن الإخوان ومن يتحالفون معهم ويدعمونهم أن الطريق إلى السيطرة على ليبيا أسهل من إسقاط نظام العقيد. وهكذا تحركت قطر وتركيا، في انتظار انتهاء الفترة الانتقالية لدعم سيطرة الإخوان أو تأكيد سيطرتهم وحمايتها.

باسم القتال ضد قوات القذافي، عملت المليشيات المتنوعة التي تتحرك تحت ظل وجناح الإخوان المسلمين على زرع أتباعها في المؤسسات النظامية الجديدة في العاصمة طرابلس. وأصبح التنسيق الإعلامي التركي القطري مكشوفاً وداعماً للإخوان في ليبيا بشكل مفضوح.

لكن الأوضاع الإقليمية المشتعلة، إلى جانب استمرار التوجه العالمي لمحاربة الإرهاب، أجمعت على عدم السماح ببروز حواضن لتفريخ المتطرفين، وخاصة بعد أن واجه التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب تنظيم داعش في العراق وسوريا، في حرب أخذت الكثير من الوقت والجهد، وأصبح الحذر مطلوباً تجاه أي محاولات من قبل خلايا التطرف لاختراق مساحات وأقاليم أخرى.

أما العائق المحلي الداخلي الذي واجه طموحات الإخوان في ليبيا، فيتمثل في الجيش الوطني الليبي، والنخبة الليبية المدنية والعسكرية الرافضة لسيطرة المتشددين على طرابلس وليبيا بشكل عام. لذلك أصبح الملف الليبي في ظل تنامي قوة الجيش الوطني يؤرق قطر وتركيا. مما أدى إلى توجيه الحرب الإعلامية والنفسية وغرف الدعاية نحو مساندة المتطرفين، ويتم حتى الآن تصوير أن العاصمة طرابلس تتعرض لحرب خارجية، بينما يعرف الليبيون المنحازون إلى حلم بناء ليبيا الحديثة الخالية من التطرف والإرهاب، أن معركة تحرير طرابلس تصب لصالح ليبيا خالية من جماعات الإرهاب. وتلك الجماعات هي التي تؤجل استقرار الليبيين، مقابل سعيها بجنون للحصول على موطئ قدم في مؤسسات الدولة الليبية في المستقبل.

وكان الإخوان وبقية الفصائل المتطرفة المتعاونة معهم يعتقدون أن السيطرة على المشهد السياسي والصعود إلى الحكم في ليبيا سيكون سهلاً. لذلك راهن الإخوان على مجتمع قبلي غير معتاد على خوض لعبة السياسية والأحزاب والتكتلات. لكن قطاعات شعبية وقبلية واسعة دفعت بأبنائها إلى الانخراط في الجيش الوطني الليبي، مما عكس رغبة غالبية الليبيين في التلاحم والتكاتف لدعم ومساندة أبرز نواة مؤسسية تشكل ضمانة لتحرير ليبيا ومؤسساتها من عصابات التطرف التي تحتل العاصمة طرابلس وبعض المناطق المحيطة بها فقط، بينما يتحرك الجيش الوطني الليبي في بقية المدن والمناطق في مختلف جهات ليبيا ويحظى بتأييد ودعم شعبي كبير.

على الجانب الآخر هناك المجموعات الجهادية التي لا تعترف بالسياسة ولا تريد بناء دولة في ليبيا، بل ترغب في نهب ثرواتها لدعم الإرهاب المتنقل في افريقيا وخارجها. ويستغل تنظيم الإخوان تلك المجموعات ويتعاون معها، في سبيل الوصول إلى مرحلة التمكين والسيطرة. أما الدور التركي والقطري فيتمثل بتقديم الدعم العسكري والإعلامي للإخوان، ويبرر حملهم للسلاح خارج القانون. في الوقت الذي يستغل فيه الإخوان الدعم القطري والتركي لأسلمة الصراع العسكري القائم، وتشويه الجيش الوطني الليبي، الذي يمثل النواة الوحيدة في ليبيا لمحاربة المتطرفين، وعدم السماح بتحويل ليبيا إلى مساحة مفتوحة أمام الجماعات الإرهابية.

يدير عملاء تركيا وقطر تحركات أتباعهم في ليبيا عن بعد من فنادق الدوحة وإسطنبول. وبعد الصدمة التي تعرض لها حلم الإخوان بالسيطرة على المشهد السياسي والعسكري، أصبحت الساحة الليبية ضاغطة بشدة على آمال التنظيم، وسقطت أحلامه ومخططاته بالسيطرة الكاملة على منطقة شمال إفريقيا.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

10 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق