الملف الإيراني

تصحيح مسار العقوبات وطرق التعامل مع إيران

إن الحاكم الحقيقي والمسيطر على إدارة شؤون البلاد وصانع سياساتها الداخلية والخارجية، وصاحب القرار الأول والأخير في إيران هو المرشد الإيراني والحرس الثوري، وليس الرئيس وحكومته التي لا تعدو أن تكون داخليا سوى كبش فداء لسياسات النظام وخارجيا لعبة تظليلية لخداع المجتمع الدولي والرأي العام بوجود ديمقراطية وانتخابات رئاسية وبرلمانية في إيران، وأن الرئيس يتم اختياره عن طريق اختيار الشعب، ليبعد النظام الإيراني حقيقة ديكتاتوريته عن ذاته، فالحكومة في إيران ليست سوى مسرحية لخداع المواطن الإيراني والمجتمع الدولي، وتدار بشكل مباشر من قبل رموز النظام والحرس الثوري، وتعتبر أدوات إعلامية ودبلوماسية يحركها النظام كما يشاء، وشماعة يعلق عليها نتائج أخطائه السياسية وتدخلاته وفشله الذريع في العديد من الملفات.

وفي الحقيقة، فإن إيران تعتبر أسوأ دولة في العالم من حيث الديمقراطية، ونظام الحكم فيها أكثر أنظمة العالم ديكتاتورية، ويسيطر فيها العسكر على شؤون البلاد بتصريح ومباركة من المرشد الأعلى، والانتخابات الرئاسية ليست سوى انتخابات صورية الفائز فيها يفتقر إلى صلاحيات إدارة البلاد والبت في أهمها، ولو كانت إيران صادقة في انتخاباتها وديمقراطيتها، فلتجعل الانتخابات حول منصب المرشد الأعلى المسؤول الأول والأخير عن إدارة البلاد، سواءا من حيث قبول وجود هذا المنصب شعبيا أو الوصول إليه في حال أقر عن طريق استفتاء شعبي.

لذا فإن التعامل مع إيران بقي خلال العقود الماضية يسير في الاتجاه الخاطئ، حيث يتم التواصل وعقد الاتفاقيات والمعاهدات مع الأشخاص الذين لا محل لهم من الإعراب في تقرير مصير البلاد وإدارة شؤونها وتحديد سياساتها، فقد كان  التعامل مع رئيس الجمهورية وأعضاء حكومته، في حين أن صاحب وصانع القرار ومن يحدد سياسات البلاد وأنشطتها هو المرشد الإيراني ومن حوله قادة الحرس الثوري ورجال الدين الأصوليين، ما يعني أن أي تعامل دولي لا بد أن يكون مع هؤلاء الأشخاص وليس مع روحاني وظريف الذين يفتقرون لاتخاذ أي قرار أو الالتزام بأي تعهد أو اتفاق.

وفي الآونة الأخيرة، بدأ المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة إدراك هذه الحقيقة، وحدث نوع من تصحيح المسار في التعامل مع إيران، فقد طلب رئيس الوزراء الياباني “شينزو آبي” في زيارته الأخيرة إلى طهران من المرشد الإيراني نفسه أن يتفاوض مع الرئيس الأميركي، ما يشير إلى إدراك واشنطن حقيقة الأشخاص الذين لا بد من التعامل معهم، إذ كان الطلب الياباني المبني على توجيهات أميركية بأن يسافر المرشد خامنئي إلى اليابان ويلتقي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإجراء مفاوضات والوصول إلى اتفاق جديد مع إيران، وربما هذا هو السبب الحقيقي لرفض إيران التفاوض مع أميركا، وإعلان خامنئي أن بلاده لن تتفاوض مع الولايات المتحدة في ظل الظروف الراهنة.

فلا فائدة من التفاوض مع غير أصحاب القرار، وعقد الاتفاقيات مع الجهات التي لا تملك إرادة الالتزام بها والحفاظ عليها، فما فائدة عقد حوار أو اتفاق مع حكومة روحاني حول الأمن والاستقرار في المنطقة أو الملف النووي الإيراني، في وقت يصر فيه الحرس الثوري على ممارسة الأنشطة الإرهابية والتدخل في شؤون الغير والتجسس على دول المنطقة والسعي إلى تطوير سلاح نووي، والجميع يعلم أن الحكومة الإيرانية لا تستطيع فرض قرارها على الحرس الثوري، بل أنها لا تعلم بحقيقة أنشطته وممارساته، ولا يسمح لها حتى بالاطلاع على برامجه ومعرفة مخططاته، وليس من حقها الاطلاع على ميزانيتة وما يهدر من مليارات من قبل الحرس الثوري وفيلق القدس، وفي إيران هناك العديد من المؤسسات التي لا يملك رئيس الجمهورية الحق في الإشراف عليها أو مساءلتها أو الاطلاع على أعمالها وأنشطتها، ما يعني أن الانتخابات الرئاسية لا قيمة لها مطلقا في السياسات العامة لإيران، ولا فرق بين رئيس وآخر من حيث السياسة العدائية تجاه دول المنطقة، لأن التدخلات من اختصاص الحرس الثوري وبيت خامنئي وتعتبر من الخطوط الحمراء التي لا يحق لأي أحد حتى الحكومة تجاوزها، فلماذا إذا يتم التعامل مع الحكومة الإيرانية؟

الأهم من ذلك، هو تصحيح مسار العقوبات المفروضة على إيران، إذ بدأت تستهدف في الآونة الأخيرة المؤسسات والرموز المؤثرة وصاحبة النفوذ الحقيقي، مثل فرض العقوبات على الحرس الثوري وتصنيفه إرهابيا وأخيرا فرض العقوبات على المرشد الإيراني وتشديدها على قادة الحرس الثوري والمؤسسات التابعة له، وهو ما سيشكل ضربة موجعة للنظام، ويزيد من تأثير هذه العقوبات وقساوتها على خزينة النظام الإيراني التي تعتبر أهم مصدر وممول للأنشطة والجماعات الإرهابية والتدخلات الإيرانية في المنطقة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

25 يونيو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق