تصفير صادرات النفط وحسابات إيران الخاطئة

enEnglish faفارسی

رغم أن قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، القاضي بعدم تمديد إعفاء الدول الثمانية من الحظر الأميركي على شراء النفط الإيراني، لن يكون قادرا بين ليلة وضحاها على تصفير صادرات النفط الإيراني، إلا أنه وبكل تأكيد سيضع النظام الإيراني بعد عدة أشهر لا غير، بين خيارين اثنين لا ثالث لهما، فإما الانهيار، وإما الخضوع ورفع الراية البيضاء وقبول مفاوضات جديدة لأجل اتفاق جديد يضمن منع إيران من تطوير سلاح نووي، وإنهاء أنشطتها الإرهابية وعبثها بأمن واستقرار المنطقة، ووقف تدخلاتها في شؤون دول الغير، والتزامها بوقف دعمها للجماعات الإرهابية وعلى رأسها جماعة الحوثي وحزب الله، وتفكيك كافة قواتها المنتشرة في المنطقة وإعادتها إلى الداخل الإيراني، ما يعني أن قرارات الولايات المتحدة حول تصفير صادرات النفط الإيراني، تشكل الجزء الرئيسي من جهود مكافحة الإرهاب الإقليمي والدولي.

وفي الحقيقة، فإن سياسة الولايات المتحدة الهادفة إلى تصفير صادرات النفط الإيراني لا تعني بها الوصول إلى رقم الصفر في تصدير النفط الإيراني بمعناه الدقيق كما يظن العديد، بل غايتها الحفاظ على مستوى الانحدار في هذه الصادرات حتى تصل إلى أقل مستوى لها، وهذه السياسة تكفل تفريغ خزينة الحرس الثوري والنظام الإيراني من الأموال التي يستخدمها في تمويل الأنشطة والجماعات الإرهابية وتدخلاته في دول المنطقة، والتي يعتمد النظام الإيراني في توفيرها بشكل أساسي على قطاعات النفط والغاز.

ما يقارب من 70% من ميزانية النظام الإيراني والحرس الثوري الخفية تؤمن من عائدات النفط والغاز، ولذلك فإن أي خلل تتراجع من خلاله صادرات إيران النفطية يسبب أزمة في خزينة مشاريع النظام الإيراني الإقليمية، وكلما قلت صادرات إيران النفطية، انخفضت معها أنشطة إيران الإرهابية وتدخلاتها في دول المنطقة، ومن هنا ينطلق الهدف الرئيسي من سياسة تصفير تصدير النفط الإيراني، الأمر الذي يدعم رؤية الولايات المتحدة دوليا، ويعطي المجتمع الدولي، وخاصة دول الإقليم، دافعا وذريعة في آن واحد للالتزام بالقرارات والعقوبات الأميركية إزاء النظام الإيراني، لذا فإن غالبية الدول سوف توقف شراء النفط من إيران وتمتثل للقرارات الأميركية ليس لأجل الولايات المتحدة، بل كجزء من التزاماتها بالقرارات الهادفة إلى محاصرة ومحاربة الإرهاب.

إن التصريحات الإيرانية التي يطلقها قادة النظام والحرس الثوري والترويج لفكرة أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على تصفير صادرات النفط الإيراني، وأن طهران لديها خيارات منها إغلاق مضيق هرمز لمواجهة القرارات الأميركية، ليست سوى بروباغندا ودعاية إعلامية للتسويق المحلي من جهة، ومحاولة تحفيز زبائن النفط الإيراني على عصيان قرارات الولايات المتحدة والتمرد عليها بما يعطي طابعا للمجتمع الدولي أن العالم منقسم إلى نصفين إزاء هذه القرارات، ولكن ما هو مؤكد أن صادرات النفط الإيراني ستشهد هبوطا تدريجيا خلال الأشهر القادمة، ومن المتوقع أن تصل نهاية العام الجاري إلى ما دون الــ 600 ألف برميل يوميا، وسيكون السبب في استمرار تصدير النفط هو بعض طرق الالتفاف التي سيتبعها الحرس الثوري في بيع النفط، مثل استخدام البواخر النفطية التابعة لدول أخرى لتصدير النفط الإيراني، ووقف أجهزة نظام التعريف الآلي بالموقع (AIS satellite tracking)، حتى تقوم بإخفاء مساراتها ووجهتها، مع الحرص على إخفاء المشترين، وأيضا استخدام العراق وتركيا وقطر لتمرير صفقات البيع، وتقديم تنازلات وامتيازات مغرية للدول التي تناكف الولايات المتحدة مثل الصين وروسيا وبعض دول أميركا اللاتينية لدفعها إلى مواصلة شراء النفط الإيراني، إضافة إلى استخدام بعض مخازن ومستودعات النفط التي أنشأها الحرس الثوري خلال الأشهر الماضية لضمان بيع النفط الإيراني لفترة من الزمن، ومن غير المستبعد أن تسعى إيران إلى استخدام الحوثيين لإرهاب الملاحة البحرية واستهداف ناقلات نفط سعودية وإماراتية، واستخدام عمالقة تكنولوجيين لمحاولة شن هجوم سايبراني على قطاعات النفط السعودية والإماراتية بهدف إلحاق الضرر بالأسواق النفطية العالمية وخلق نقص حاد يؤدي إلى اضطرابها، إلا أن الآليات التي ستتبعها الولايات المتحدة وحلفاؤها سوف تحد كثيرا من محاولات إيران للالتفاف على العقوبات واستخدام مثل هذه الأنشطة الإرهابية، وهو أمر مؤكد بعد تأكيدات مسؤولين أميركيين أنه تم وضع العديد من الخطط والبرامج التي ستضمن مراقبة شديدة لعمليات تصدير النفط الإيراني والدول المشترية، فضلا عن أن هذه الطرق الإلتوائية سوف تكبد إيران خسائر مالية كبيرة، لأنها ستكون مضطرة لبيع نفطها بأسعار منخفضة، كما أنها لن تكون قادرة على الحصول على عوائد بيع نفطها في الوقت الذي تريده.

بعد الاتفاق النووي، ارتفع إنتاج إيران من النفط إلى نحو 4 ملايين برميل يوميا، كان يتم تصدير نحو 2.5 مليون برميل منها، والباقي للاستهلاك المحلي وللفساد الاقتصادي والمالي، ورغم ذلك الارتفاع استمرت الأزمات والمشاكل الاقتصادية والمعيشية في اتساعها، ومع بداية العقوبات انخفض حجم صادرات النفط الإيراني إلى نحو مليون ونصف المليون برميل يوميا، وبعد القرار الأميركي الجديد، فإن هذا الرقم سينخفض كثيرا، ورغم أنه لا يمكن التأكيد مما إذا كانت صادرات النفط الإيراني سوف تصل إلى الصفر أم لا، إلا أنه حتى إذا تمكنت طهران من مواصلة بيع جزء من نفطها، فإنها ستواجه تحديا كبيرا في عملية حصولها على أموال النفط، كما ينبغي عليها خفض أسعار نفطها كثيرا لأجل تشجيع المشترين على المغامرة وتحدي العقوبات الأميركية، وهو ما سيكون غير مجديا لطهران.

وداخليا سيكون لهذه القرارات إنعكاسات سلبية كبيرة تصل إلى درجة تهديد بقاء نظام الملالي، فالاقتصاد الإيراني يعاني من أزمات كبيرة، مثل الفساد المالي وغسيل الأموال وسوء الإدارة وإهدار مئات المليارات في مشاريع توسعية وأيديولوجية خارج إيران انعكست بشكل سلبي للغاية على الداخل الإيراني وحياة المواطنين، ومع انخفاض الميزانية الحكومية نتيجة انخفاض تصدير النفط سيزيد الأمر تعقيدا، وسيضاعف من تلك الظروف السيئة التي تسببت في اندلاع احتجاجات شعبية في أكثر من 100 مدينة إيرانية نهاية العام الماضي، والتي أطلق فيها المتظاهرون شعارات ضد المرشد علي خامنئي والحكومة الإيرانية وطالبوا باسقاط نظام الولي الفقيه.

وإصرار الولايات المتحدة على تصفير صادرات إيران النفطية ليست سوى جزء من جملة عقوبات أميركية ضد إيران، التي سيكون لها تأثير كبير في الداخل الإيراني، فمن المتوقع وفقا للعديد من التقارير الدولية أن يصل نمو الاقتصاد الإيراني في العام الجاري 2019 إلى -6%، بعد أن وصل إلى -4% العام الماضي، ونسبة البطالة سترتفع إلى أكثر من 30% في بعض المناطق والمدن الإيرانية، والتضخم سيزيد عن 40%، ما سيزيد من تردي الأوضاع والظروف الداخلية لدرجة تدفع الشعوب الإيرانية إلى الإعلان عن رفض نظام ولاية الفقيه عبر ثورة شعبية تعم البلاد.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

25 أبريل 2019

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق