تغييرات استراتيجية أفرزتها الضغوط الأميركية على إيران

في النظر إلى النتائج المحققة حتى الآن لاستراتيجية “الضغوط القصوى” التي تمارسها الولايات المتحدة على النظام الإيراني، نستطيع أن نستنتج من الناحية السياسية والاقتصادية والأمنية، أن المشروع الإيراني القائم على تصدير الثورة قد تراجع بشكل عام، وأصبح في أضعف حالاته طوال الأربعة العقود الماضية، ومن المؤكد أن استمرار هذه الاستراتيجية ستقود إلى محو هذا المشروع تماما، وهو ما بدأ يدركه رموز الملالي ويسعون إلى تغيير هذا المسار بمحاولة إشعال حرب عسكرية في المنطقة عبر تنفيذ عمليات إرهابية وتخريبية لدفع بعض الدول إلى استخدام الخيار العسكري، والذي هو من المنظور الإيراني إنقاذا للنظام كونه سيدخل المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية العالمية في دوامة الفوضى والعسكرة ما يدفع المجتمع الدولي إلى التفاوض مع إيران وإنهاء هذه الفوضى، بالطبع سيكون الشرط الإيراني هو تخفيف الضغوط الأميركية والدولية على إيران ورفع العقوبات المفروضة على قطاع النفط والقطاع المصرفي في إيران.

نستطيع حتى الآن أن نلمس تأثير العقوبات الأميركية على إيران بشكل واضح، من خلال متابعة انزلاق الأوضاع الداخلية وتردي الحياة المعيشية ومعاناة الخزينة الإيرانية، وانخفاض مستوى الدعم الإيراني للجماعات الإرهابية في المنطقة وعلى رأسها حزب الله الذي بدأ يعاني بشدة من نقص الأموال والعوائد المالية التي كانت تأتيه من إيران، وهو ما أثر بشكل إيجابي في مكافحة الإرهاب على مستوى الإقليم والعالم، وحد بشكل واضع من الأنشطة والعمليات الإرهابية التي اتسعت في المنطقة بعد توقيع الاتفاق النووي وأوصل إيران إلى مئات المليارات كنتيجة لهذه الاتفاق.

هذه الضغوط الأميركية التي تتم بمباركة أوروبية ودعم وتأييد من قبل الدول العربية استطاعت أن تفرض إملاءاتها على السلوك الإيراني سياسيا وميدانيا وجغرافيا، وأصبحت تأخذ طابعا استراتيجيا شموليا أجبر طهران على التخلي عن العديد من برامجها المنضوية تحت مشروع تصدير الثورة وبناء شبكة إقليمية موالية لإيران كأهم ركائز التمدد الإيراني في المنطقة، وأنتجت هذه الضغوط تضييق الخناق على إيران من حيث مساحة المواجهة التي أصبحت ضعيفة جدا خارج حدودها، وأصبحت تقترب يوما بعد يوم من الحدود الإيرانية بعد ترهل أذرع طهران في المنطقة وعجزها عن القيام بمهامها التي كانت إيران تطمح إليها.

فضلا عن تضييق مساحة المواجهة أمام إيران، هناك ايجابيات لهذه الضغوطات على الصعيد الميداني، تمثلت بتقليص خيارات المواجهة أمام النظام الإيراني إلى أقل المستويات، بعد أن حصرت في استخدام القوة العسكرية عبر تنفيذ عمليات إرهابية بالقرب من المساحة الجغرافية الإيرانية، بعد أن كان النظام الإيراني يريدها بعيدة عن أراضيه وبأياد غير إيرانية، لترى طهران نفسها اليوم منغمسة بالكامل في تداعيات سلوكها التخريبي ونتائج سياساتها التوسعية.

وكنتيجة لتقليص خيارات المواجهة أمام إيران، وتزايد الضغوط الداخلية والدولية على النظام الإيراني سياسيا واقتصاديا، مع التحذير من إطالة عمر العقوبات الأميركية، سارعت طهران إلى الاستجداء بدول القوقاز وتقديم تنازلات كبيرة تصل إلى درجة تهديد الأمن القومي الإيراني، للجانب الروسي والصيني، وهو ما يحذر منه العديد من الخبراء الإيرانيين، من أن هذه الخطوة تزيد من الخسائر الإيرانية، وفيها اختراق لسيادة الدولة واستقلاليتها، ولن تأتي إلا بالضرر على إيران، كما أن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة ستؤدي إلى إرجاع إيران قرون إلى الوراء، فضلا عن سقوط النظام وانهيار كافة مؤسساته وأركانه.

وأخيرا، وبعد هذه المتغيرات التي فرضتها العقوبات والضغوط الأميركية على إيران، لن تكون الأخيرة بعد اليوم قادرة كما كانت أولا على ممارسة سياساتها التدخلية ودعم أذرعها الإرهابية في المنطقة، ولم يعد أمام النظام الإيراني سوى الخضوع للإرادة الدولية بعد تخليه عن سياساته الحالية، أو انتظار السقوط والانهيار.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

19 يونيو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق