آراء

ثلاثة سيناريوهات أمام أزمة ناقلات النفط بين إيران وبريطانيا

تبادل الجانبان، البريطاني والإيراني، التأكيدات على رفض تبادل إطلاق سراح ناقلتي النفط المحتجزتين، فمن الجانب البريطاني أكد وزير الخارجية الجديد “دومينيك راب” أن لندن ترفض فكرة مبادلة ناقلة نفط احتجزها الحرس الثوري بتلك التي احتجزتها الحكومة البريطانية في منطقة جبل طارق، ومن جانبه أعلن السفير الإيراني في لندن “حميد بعيدي نجاد” رفض بلاده مبادلة ناقلة النفط البريطانية المحتجزة لديها مع ناقلة النفط الإيرانية التي تحتجزها لندن بشكل غير قانوني، حسب وصفه، وسبب الرفض من كلا الجانبين هو أن الطرف الآخر قام باحتجاز ناقلة النفط بصورة غير قانونية، بينما هو قام بذلك تحت مظلة القانون.

هذه الأزمة الجديدة، التي تضاف إلى كثير من الأزمات السياسية والدبلوماسية التي تحاصر طهران من كل جانب، بدأ جزء من ملامحها يتضح شيئا فشيئا ليرسم عددا من السيناريوهات المتوقعة لنهايتها، مع الإشارة بكل صراحة أنها لم تكن سوى خطة غربية مدروسة تهدف إلى إسقاط أصحاب القرار الإيراني في مصيدة دفع المجتمع الدولي إلى عسكرة مضيق هرمز وإنهاء سيطرة الحرس الثوري عليه، وهو ما حصل بالفعل، وبدأت باكورة تنفيذ هذا المخطط بقرب الإعلان عن تحالف عسكري ضخم وجرار لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وهذا الأمر يعني تماما إنهاء سيطرة القوات المسلحة الإيرانية على هذا المضيق بالقوة، والتي طالما افتخر القادة العسكريون الإيرانيون بهيمنتهم وإشرافهم الكامل عليه.

إن إعلان “دومينيك راب” معارضته لتبادل السفن المحتجزة،  يزيل حجابا عن التوجه السياسي لبوريس جونسون تجاه إيران، ولا سيما وأن الأخيرة، وأن أعلنت رفضها مقايضة السفن النفطية، إلا أنها أرسلت ذبذبات عن استعدادها للقيام بذلك، لكن الرفض البريطاني كان حازما وصارما، ما يضع سيناريو إمكانية تبادل السفن المحتجزة عن طريق اتفاق معلن بين طهران ولندن في طريق مسدود.

السيناريو الأبعد، والذي لا يمكن استبعاده نهائيا، هو حل هذه الأزمة بطريقة غير رسمية “عبر الوساطات” وغير معلن عنها ولكن متفق عليها، بحيث يقوم أحد الأطراف بإطلاق سراح ناقلة الطرف الآخر بعد انتهاء قانونية احتجازها، مقابل أن يقوم الطرف الثاني بإنهاء احتاج الناقلة المحتجزة لديه بعد فترة زمنية قصيرة، والمساعي الإيرانية وخاصة تلك التي تبذل من قبل حكومة روحاني والهادفة إلى تخفيف التوتر مع بريطانيا خشية عواقب هذه الأزمة واحتمالية منحها الحق لبريطانيا في استخدام القوة العسكرية، تشير إلى إمكانية أن تقوم إيران بتقديم تنازلات كبيرة للجانب البريطاني بهدف إنهاء هذه الأزمة عن طريق المقايضة الصامتة.

لكن هناك بعض الأمور تقلص من فرص حدوث هذا السيناريو، وأهمها أن التاريخ والنزعة الاستعمارية لبريطانيا، وما تتمتع به حاليا من قوة عسكرية واقتصادية، ووزن سياسي يضاهي أضعاف ما لدى إيران، يستبعد استسلام لندن أمام معادلة واحدة بواحدة، عن طريق الموافقة على مبادلة الإفراج عن الناقلات المحتجزة، وخاصة أنه لا يوجد أي بريطاني ضمن طاقم ناقلة النفط المحتجزة لدى إيران، بل أن وجود 18 هنديا و3 من الروس وفلبيني وليتواني قد يضعف الموقف الإيراني كثيرا في هذه الأزمة، لأن إطالة أزمتها سيدفع روسيا والهند والفلبين وليتوانيا  إلى مطالبة إيران بضرورة إطلاق سراح مواطنيهما المتجزين لديها.

أما السيناريو الأقرب والذي أشرنا إليه بداية، هو أن المملكة المتحدة مترددة حاليا في حل هذه الأزمة مع إيران، بل تنظر إليها على أنها فرصة كبيرة، ولا تريد إنهاءها لمصالح استراتيجية أكبر بكثير من مصلحة إنهائها، ولا سيما أنها تتماشى وجهود لندن الهادفة منذ زمن بعيد إلى بناء تحالف بحري عسكري في منطقة مضيق هرمز وباقي الممرات المائية الهامة في العالم، لتأمين حركة ناقلات النفط والغاز والسفن التجارية، وبالتالي فإن استمرار أزمة الناقلات المحتجزة، وما يحيط بها من تطورات إقليمية وعالمية، تساهم إلى حد كبير في الترويج للأهداف والتطلعات البريطانية، بل يمكن اعتبارها أقوى ذريعة غربية لتشكيل هذا التحالف العسكري في مضيق هرمز وإنهاء سيطرة الحرس الثوري عليه تماما بالقوة العسكرية، فبريطانيا ومن ورائها الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية تريد خلق حقائق لتدويل هذا الممر المائي من خلال نشر السفن والأساطيل الحربية فيه ومن حوله، وهو ما يعني إفشال المخططات الإيرانية في محاولة استهداف ناقلات وإمدادات النفط بهدف خلق أزمة ونقص في أسواق النفط العالمية تدفع الولايات المتحدة إلى رفع العقوبات المفروضة على إيران وعلى رأسها تصدير النفط.

السيناريو الثالث، والذي قد تلجأ إليه بريطانيا في حال فشل السيناريو الثاني، وهو أن تقوم قوات المارينز البريطانية بتنفيذ عملية عسكرية نوعية دقيقة وسريعة تحرر بها ناقلة النفط البريطانية “ستينا إيمبرو” المحتجزة لدى قوات الحرس الثوري في ميناء بندر عباس، ما يجعل الأمر أكثر خطورة بالنسبة لإيران في حال ردت عسكريا على هذه العملية، التي ستكون بالطبع مدعومة لوجستيا بقوات وأساطيل بحرية ضخمة تستعد لأي طارئ.

 

مدير مركز المزماة: إبراهيم المقدادي

31 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق