الملف الإيراني

ثلاثة مستويات من التعامل الإيراني الرسمي مع كارثة الفيضانات

enEnglish faفارسی

تُلقي أيديولوجيا وتركيبة النظام الإيراني الرسمي بظلالها على ديناميكيات الأداء السياسي والتصريحات وأساليب التعاطي مع الأحداث الداخلية والخارجية. ويمكن استكشاف طبقات أو مستويات مختلفة من التعامل مع المستجدات في إيران، من خلال تأمل ردود الأفعال التي برزت خلال التعامل مع كارثة السيول والفيضانات، التي اجتاحت مناطق شاسعة من إيران وشملت عدداً من المحافظات على مدار الأسبوع الماضي.

وقبل الخوض في تحليل مستويات التعامل الرسمي مع أحدث كارثة طبيعية في إيران، ولتسليط الضوء قليلاً على بعض تفاصيلها، طبقاً للأرقام والإحصاءات الرسمية المتعلقة برصد خسائر الفيضانات والسيول، بلغ عدد الضحايا 62 شخصاً، وترافق مع الكارثة إعلان حالة الطوارئ في عدد من المدن والمحافظات، وعلى رأسها (الأحواز) التي حوصرت مدنها بالمياه. فيما تم تقدير قيمة الأضرار المادية في المنشآت والخدمات والممتلكات بالمليارات بالعملة الإيرانية. من بينها 1600 مليار تومان إيراني قيمة الأضرار في قطاع الطرق وحدها. كما جرى إخلاء مئات القرى والبلدات من السكان، في عمليات إخلاء تذكر الأهالي بالتهجير القسري الذي تشهده الأحواز بالتدريج منذ سنوات.

من جانب آخر، كشفت الخسائر الناجمة عن السيول والأمطار الغزيرة عن هشاشة البنية التحتية في إيران، وعن فساد خطير ومدمر، أثار الحديث عنه بالتوازي مع الكارثة استياء السلطات الرسمية، التي طالبت بالتوقف عن نشر الاتهامات بالفساد على وسائل التواصل الاجتماعي.

وإذا كانت الأحداث الاعتيادية تكشف بسهولة عن ثنائية عسكرية بارزة في إيران، فقد أظهرت أزمة السيول والأمطار هذه الثنائية مجدداً، والتي تتقاسم تمثيل الواجهة المسلحة في النظام الإيراني، من خلال بروز مسار مختلف ينتهجه ما يسمى بالحرس الثوري الإيراني، الذي كان له أسلوبه الخاص في التعامل مع كارثة السيول. في مقابل أسلوب تعامل آخر ونطاق جغرافي محدد تم تخصيصه للجيش النظامي، الذي يدفع ضريبة الازدواجية العسكرية في البلاد، حتى على مستوى آلية التعامل مع الكوارث الطبيعية. والمعروف أن الحرس الثوري يختلف عن الجيش في إيران من حيث التسليح والمهام والعقيدة القتالية وأساليب التحرك داخل وخارج إيران.

وبالعودة إلى كارثة الفيضانات، فقد تعامل الحرس الثوري معها بأساليب لا تمت بصلة للإنقاذ وأعمال الدفاع المدني المعتادة، إلى درجة أن الرئاسة الإيرانية انتقدت استخدام الحرس الثوري للمتفجرات بمبرر فتح منافذ للسيول في المدن الشمالية. ورغم تسبب هذه الآلية العنيفة والغبية في مقتل أبرياء وتخريب طرق وسكك حديد، إلا أن الحرس الثوري رفض الاعتراضات، وجاء الرد على لسان قائد الحرس الثوري الذي قال إن الانفجارات التي تم تنفيذها على الطرق والسكك الحديدية بين بعض المدن هي الطريقة الوحيدة لنقل المياه إلى البحر!

هناك أيضاً المستوى الرسمي الذي يمثله الفقهاء ورجال الدين في السلطة بمختلف مواقعهم، وهؤلاء أنتجوا بدورهم أكثر من خطاب وآلية، كان أبرزها وأكثرها طرافة في باب تفسير أسباب الفيضانات، عدم القبول بتفسيرات مناخية طبيعية، بل الحديث عن مؤامرات خارجية، من خلال التلاعب المحتمل بالمناخ، لتدبير كارثة طبيعية للإضرار بإيران، عبر استهدافها بسلاح الأمطار الغزيرة!

وفي كل المواقف والكوارث الطبيعية أو الاقتصادية أو الزلازل أو العقوبات الخارجية، تمزج الطبقة السياسية الدينية في إيران بين مستويات متعددة من ردود الأفعال، بعضها يميل إلى التفسيرات الميتافيزيقية الغيبية، المرتبطة أحياناً بخرافات الإثني عشرية، أو تعيد كل شيء إلى توهم وجود مؤامرات كونية عالمية تحيط بإيران وتستهدف نظامها. إلى جانب تعليق كل ما يحدث على شماعة العقوبات الخارجية، وآخرها العقوبات الأميركية. وهذا المسار تتبناه الدبلوماسية الإيرانية ووزير خارجيتها محمد جواد ظريف. الذي علق على نقص المروحيات الخاصة بإنقاذ وإغاثة المنكوبين جراء الفيضانات، مهاجماً الولايات المتحدة بقوله إن حربها ضد بلاده ليست حرباً اقتصادية فحسب، بل اعتبرها – حسب تعبيره- إرهاباً اقتصادياً. وكشف ظريف – بصيغة اعتراف ضمني مباشر بفعالية العقوبات الأميركية الأخيرة – أن الولايات المتحدة الأميركية عرقلت وصول المساعدات المالية للهلال الأحمر الإيراني، وأغلقت جميع الحسابات المصرفية، ولم يعد ممكناً للمواطنين الإيرانيين إرسال مساعدات مالية لمنكوبي الفيضانات من الخارج.

ولعل المستوى الذي ينطلق منه الوزير ظريف هو الأقرب إلى لغة السياسة وخطابها، مقارنة بالخطاب الميتافيزيقي الذي يؤطر أغلب تصريحات المرشد الإيراني ومواعظه، مثل الحديث عن إلزام الأغنياء بمساعدة الفقراء في إيران، وترك آلية المساعدة مفتوحة وخاضعة لمشاعر الرحمة والشفقة على الفقراء، وهذه حلول غير مقبولة عملياً، لأنها غير خاضعة لأي قوانين أو لوائح!

مركز المزماة للدراسات والبحوث

4 أبريل 2019

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق