الملف الإيراني

حادثة إسقاط طائرة “غلوبال هوك” ما بين المكاسب الأميركية والخسائر الإيرانية

أثيرت العديد من التساؤلات حول نتائج إسقاط الحرس الثوري الإيراني الأسبوع الماضي الطائرة الأميركية المسيرة “غلوبال هوك” ومكاسب وخسائر هذا الحدث بالنسبة للجانب الإيراني، بعد أن اعترفت طهران، بل وافتخرت، بقدرة الحرس الثوري على هذا العمل، ونظرت إليه من زاوية ضيقة للغاية، لأن مثل هذا العمل يمكن أن تقوم به أي دولة تمتلك منظومة صواريخ دفاع جوي، ولا يؤشر مطلقا على قوة الدفاعات الجوية لهذه الدولة، ولا يمكن اعتباره عملا بطوليا كما تدعي طهران، لأنه عمل سياسي أكثر من كونه مؤشر على القوة العسكرية كما تحاول إيران إظهاره والترويج إليه بهدف الاستهلاك المحلي ومحاولة بث الروح من جديد في أذرعها المنهارة ماديا ومعنويا في المنطقة.

وبما أن نتائج هذا الحدث سياسية واقتصادية بحتة، فإن السؤال الأهم يدور حول مكاسب وخسائر إيران من هذه الحادثة، التي وجدتها الولايات المتحدة ذريعة وحجة قوية لفرض مزيد من العقوبات والضغوط السياسية والاقتصادية على إيران، ما يعني أن واشنطن أسقطت النظام الإيراني والحرس الثوري في مصيدة سياساتها، إذ يمكن اعتبار حادثة إسقاط الطائرة الأميركية مجرد طعم للنظام الإيراني وقطعة من الجبن لاصطياد فئرانه، ولا سيما أنها حدثت في وقت تعاني فيه إيران من ظروف سياسية معقدة وعزلة إقليمية ودولية متزايدة وأوضاع اقتصادية ومعيشية سيئة للغاية.

وفي الحقيقة، وبالنظر إلى نتائج هذا الحدث حتى الآن، فإن المكسب الإيراني الوحيد منه هو توظيفه إعلاميا للاستهلاك المحلي وبث الحياة في أذرعها المنهارة من جديد، أما الخسائر السياسية والاقتصادية التي تكبدتها إيران من هذا العمل الذي يشير إلى تهور قادتها وسوء تقديرهم وضعف إدارتهم وقصر نظرهم، فإنها كبيرة وعديدة ولها امتدادات مستقبلية، ويمكن الإشارة إلى بعضها بالتالي:

أولا: إعلان طهران إسقاطها الطائرة الأميركية وتحملها مسؤولية ذلك على الملأ، أكد للمجتمع الدولي تورط إيران في الهجوم على ناقلات النفط، والذي طالما أنكرته وحاولت التملص منه وإلصاق جرمه إلى أطراف غير إيرانية.

ثانيا: تسبب هذا الحادث بتشديد العقوبات والضغوط على إيران، إذ أقرت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة على المرشد الإيراني و8 من قادة الحرس الثوري وعلى وزير الخارجية محمد جواد ظريف، وستكون نتائج هذه العقوبات كارثية للغاية على الأوضاع السياسية والاقتصادية، لأن المرشد والحرس الثوري هما الجهتان المهيمنتان سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا على البلاد.

ثالثا: أثبتت هذه الحادثة للمجتمع الدولي أن إيران لا تريد الحوار والتفاوض، وتسعى إلى جر المنطقة إلى حرب عسكرية، وهو الأمر المرفوض دوليا لما لهذه المنطقة من أهمية استراتيجية على أمن واستقرار العالم، وأي جهة تسعى إلى زعزعة أمنها واستقرارها بجرها إلى حرب عسكرية، ستواجه بمواقف دولية صارمة، وهو ما حدث مع إيران بعد قيامها بإسقاط الطائرة الأميركية، إذ صدرت العديد من المواقف الدولية شديدة اللهجة تجاه سلوك إيران وتهور نظامها، مطالبة بضرورة ضبط النفس والابتعاد عن أي محاولات لزعزعة أمن واستقرار المنطقة.

رابعا: أخرج هذا الحدث إيران من موقف الدفاع الذي كانت تحاول الترويج له دوليا، إلى موقع المعتدي، وكشف النوايا الإيرانية الحقيقية في محاولة جر المنطقة إلى حرب عسكرية تهدف منها تهديد الأمن العالمي والمصالح الإقليمية والدولية للضغط على الولايات المتحدة من أجل رفع العقوبات عن طهران، فضلا عن محاولة إطفاء غضب الداخل الذي قد ينفجر في أي لحظة بوجه النظام عن طريق إشعال حرب مع العدو.

خامسا: وضع هذا العمل الذي قام به الحرس الثوري، الحكومة والدبلوماسية الإيرانية في مأزق سياسي دولي، وحول إيران في نظر المجتمع الدولي إلى دولة عسكرية يسيطر على قراراتها العسكر لا الحكومة، ما دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على وزير الخارجية ظريف الذي يعتبر رأس الدبلوماسية الإيرانية، وستقلص هذه العقوبات التحركات الدبلوماسية الإيرانية، وستضطر السلطات الإيرانية إلى تغيير جواد ظريف لتفادي سقوط الدبلوماسية الإيرانية، الأمر الذي سيزيد من رقعة الانقسامات الداخلية.

مقابل هذه الخسائر، فقد جنت الولايات المتحدة مكاسب كبيرة على الصعيد السياسي من وراء هذا الحدث، الذي أعطى استحقاقات كبيرة للولايات المتحدة في استراتيجية “الضغوط القصوى” التي تمارسها ضد إيران، ومن ناحية حشد الموافق الدولية ضد سلوك النظام الإيراني، كما وضع هذا الحادث الولايات المتحدة في موقع المعتدى عليه وإيران المعتدي، وكشف حقائق كبيرة لدى الإدارة الأميركية حول ما تبقى من خيارات محدودة في جعبة النظام الإيراني، وأن ما قامت به إيران هو مؤشر على نفاذ كافة خياراتها في مواجهة العقوبات، ولولا هذا الإدارك الأميركي لكانت الضربة العسكرية ضد قواعد الحرس الثوري قد نفذت في نفس اللحظة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

26 يونيو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق