دعوة إيران للتقارب مع السعودية ما بين الحقيقة والشروط

تفتح إيران، كلاميا، الأبواب أمام أي تفاوض أو حوار بينها وبين الدول العربية ولاسيما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، بغرض حل النزاعات والحد من التوترات القائمة، وقد ارتفع معدل دعوة إيران واستجابتها لأي حوار مع السعودية والإمارات خلال الفترة الماضية، ليكشف الأمر عن وهن وتخوف ينتاب الداخل الإيراني من خطورة المسار السياسي الذي تسير وفقه الاستراتيجية الإيرانية، وما ستقود إليه من نتائج خطيرة تهدد بقاء النظام الإيراني الحالي.

ورغم أن ألسنة طهران تحاول إلقاء مصدر الدعوة للحوار والمصالحة إلى الجانب السعودي والإماراتي عبر وساطات إقليمية ودولية، إلا أن الحقيقة تكمن في التواصل الأمني والعسكري رفيع المستوى الذي تقوم به جهات تابعة للحكومة والنظام في إيران مع دول إقليمية وعالمية لأجل إقناع السعودية والإمارات بالتفاوض وحل الخلافات.

وفي حين كانت هناك تقارير إعلامية عديدة في الأسابيع الأخيرة حول الاستعداد وتهيئة الظروف لخفض التوترات بين إيران ودول المنطقة وخاصة السعودية والإمارات، تحدث وزير الخارجية محمد جواد ظريف قبل يومين عن استعداده للسفر إلى السعودية، وقال ظريف لقناة “المسيرة” إن إيران ترحب بأي مبادرة لخفض التوتر في المنطقة، ومستعدون للتعاون مع أي خطوة لإنهاء الحرب في اليمن، وأكد ظريف على استعداده لزيارة السعودية لحل الخلافات معها في حال كانت الظروف مهيأة لذلك.

ويوم أمس أكد كذلك المتحدث باسم الخارجية الإيرانية “عباس موسوي”  في حديث لوكالة “الأناضول” التركية على استعداد إيران للتفاوض مع السعودية عبر وسطاء أو بشكل مباشر من أجل حل المشاكل القائمة، وقال موسوي إن السعودية وإيران معروفتان بأنهما بلدان هامان في المنطقة والعالم الإسلامي، مؤكدا أنه لهذا السبب تؤثر الخلافات بينهما على المنطقة، مضيفا أنه سيعود تقليل الخلافات بين إيران والسعودية، وبادر عدد من المحللين والكتاب الإيرانيين إلى تناول التقارب الإيراني الخليجي بإيجابية، وصدرت العديد من الدعوات من قبل خبراء ومتابعين وسياسيين إيرانيين للحكومة والنظام في طهران لبذل المزيد من الجهود للتقارب مع السعودية والإمارات على اعتبار أن ذلك أهم أبواب الخروج من المأزق الراهن.

ولكن ما يلفت الانتباه، أن الدعوات الإيرانية للتقارب مع السعودية جاءت من باب القوة لا الضعف، بحيث تريد طهران أن تخرج من مأزقها وتخفض التوترات مع جيرانها العرب بشرط حفظ ماء الوجه، ودون أن تقدم طهران أي تنازلات في سياساتها الخارجية وتدخلاتها الإقليمية، وهي ما يؤكد أن الحكومة الإيرانية لا تمتلك القرار فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الواقعية لإيران والتي أمرها بيد المرشد والحرس الثوري.

وفي الحقيقة، فإن الليونة الكلامية التي تبديها طهران حاليا في خطابها الموجه للسعودية والإمارات تعود إلى خطورة الأوضاع في الداخل الإيراني، وما تسببت به العقوبات الأميركية من أزمات ومشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية دفعت بالنظام الإيراني للجوء إلى البوابة السعودية والإماراتية للخروج من المأزق الراهن ومعالجته نتيجة سقوط النظام الحتمية، وهو السبب وراء عدم انزعاج التيار المتشدد والحرس الثوري من دعوة الحكومة الإيرانية للتقارب مع السعودية والإمارات، والتي كانت في السابق تواجه بانتقادات وهجوم واسع من قبل أزلام الحرس الثوري والتيار المتشدد الذي أعلن في أكثر من مرة أن السعودية عدو لإيران.

وفي حد ذاته، يقودنا هذا إلى عدم إمكانية إصلاح سياسة إيران الخارجية، والتي تتصف بالجمود، مع وجود النظام الحالي الذي أهم قوائمه وأعمدة استمراره في الحكم هو التدخل في شؤون دول المنطقة، وتصدير الثورة الخمينية، ودعم الجماعات الإرهابية، ما يعني أن دعوات إيران للتقارب مع دول الخليج ليست سوى جعجعة بلا طحين.

الأمر الآخر، أن سياسة إيران الخارجية تعتمد على التعدي على الدول وسيادة الدولة وبناء علاقات مع جماعات وميليشيات معارضة ومتطرفة داخل الدول، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، بينما دول الخليج وخاصة السعودية والإمارات تعتمد في رسم سياستها الخارجية وبناء علاقاتها مع الدول على أساس القوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية وتحت مظلة المعاهدات والاتفاقيات الدولية، ولا تقبل أن تبني علاقات مع مجموعات متطرفة أو جماعات ميليشياوية، كما أن من يسيطر على صناعة القرار في إيران عصابات وميليشيات من الحرس الثوري وبيت المرشد والتيار المتشدد، وليس الحكومة الإيرانية التي تنادي بالتقارب والحوار مع السعودية والإمارات.

لذا فإن كانت طهران صادقة في ما تدعيه من رغبة في الحوار وحل النزاعات مع السعودية والإمارات، فعليها أن تثبت ذلك بالأفعال لا بالأقوال، وأن توقف تدخلاتها في دول المنطقة، وتتراجع عن برامجها النووية والصاروخية، وتنهي دعمها للجماعات الإرهابية، وتعلن رسميا أن هذه الجماعات إرهابية وعلى رأسها الحوثي وحزب الله والميليشيات الطائفية في العراق والنظام القطري.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

23 أكتوبر 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق