دلالات تغييرات المرشد الإيراني العسكرية والأمنية

سلسلة من التغييرات في المناصب العسكرية والأمنية الهامة أجراها المرشد الإيراني خلال الأشهر القليلة الماضية، في الفترة ما قبل وبعد تصعيد التوتر بين إيران والمجتمع الدولي، تحمل دلالات ومعان كثيرة تكشف منهجية وسلوك النظام الإيراني في قادم الأيام، وما يدور في أروقة صناع القرار في طهران، فضلا عن إيحاءات عدد من التقارير تشير إلى وجود شكوك في ولاءات من تم عزلهم وعلاقات مشبوهة مع دول أجنبية ترتقي إلى درجة التجسس.

التغيير الأبرز والذي يحمل رسائل داخلية وخارجية كثيرة، هو قيام المرشد الإيراني علي خامنئي في بداية الشهر الجاري بعزل قائد قوات التعبئة (الباسيج) “غلام حسين غيب برور” وتعيين “غلام رضا سليماني” بديلا عنه، رغم أنه لم يمض على تعيين “غيب برور” قائدا لهذه القوات سوى ثلاث سنوات، بالتزامن مع قرار آخر أصدره خامنئي يقضي بتعيين “محمد رضا قرايي آشتياني” نائبا لرئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، خلفا لعطاء الله صالحي.

وخلال الأشهر الماضية، أصدر المرشد الإيراني بصفته سلطة لا سلطة عليها في البلاد، العديد من قرارات العزل والتنصيب في المؤسسات العسكرية والأمنية، أشارت جميعها إلى وجود مخطط يهدف إلى تمكين التيار المتشدد وتعزيز نفوذه بشكل أكبر في إيران، وتهميش التيار الإصلاحي والمعتدل قدر الإمكان، من خلال عزل الفكر الإصلاحي والمعتدل عن المناصب الحساسة وتعيين المتشددين والأكثر ولاء للمرشد وأفكار الثورة في مراكز صنع القرار وإدارة البلاد داخليا وخارجيا.

شملت تغييرات خامنئي الأخيرة تعيين “حسين سلامي” قائدا للحرس الثوري، بدلا من محمد علي جعفري، وتعيين “علي فدوي” نائبا لقائد الحرس الثوري، وأيضا محمد رضا نقدي مساعدا لقائد الحرس الثوري لشؤون التنسيق، وهؤلاء الجدد جميعهم ينتمون للمرشد الإيراني ويدعمون التيار المتشدد وسياسات خامنئي الداخلية والخارجية، ما يعني أن تعيينهم يرتبط بشكل وثيق بالتطورات الإقليمية والتوتر بين إيران والمجتمع الدولي، ويكشف عن وجود نوايا إيرانية في التصعيد، ويمكن القول أن تعيينهم ينسف أي مساع لتهدئة الأوضاع عن طريق إجراء المفاوضات والحوارات، وأن إيران باتت غير مستعدة للتفاوض أو تلطيف الأجواء، فالمرشد ومن خلفه التيار المتشدد، رأوا أن طبيعة المرحلة الراهنة وما تشهده من تصعيد وتوتر على الصعيد الخارجي، واستياء وغضب شعبي وتردي الأوضاع على الصعيد الداخلي، تقتضي مثل هذه التغييرات لمواجهة المجتمع الدولي وما قد تتضمنه من احتمالية الدخول في حرب، وللسيطرة على الداخل في حال اشتعلت أي ثورة أو انتفاضة شعبية ضد النظام، فهذه الوجوه القيادية الجديدة تعتبر من أشد الشخصيات الإيرانية التي تؤمن بالحلول القمعية والعسكرية وتميل عادة إلى إطلاق التهديدات والتصعيد بدلا من التهدئة والحوار.

إن تغيير المرشد الإيراني، لقادة أهم قوتين في إيران، بهدف ضمان التصعيد، وعدم التفاوض مع الولايات المتحدة، يكشف عن القلق الحقيقي لدى المرشد والحرس الثوري، وهو انفتاح إيران على المجتمع الدولي والتوصل إلى تفاهمات واتفاقيات تحول إيران من ثورة إلى دولة تتبع المنظومة العالمية سياسيا واقتصاديا وقانونيا، ليقينه التام أن إيران إذا وصلت إلى هذه النقطة لن يكون مكان لنظام الملالي فيها، لأن هيكلته ودستوره وأسس بناءه وسياساته لا يمكن أن تتناغم مع المجتمع والعلاقات الدولية، فهي قائمة على مشروع توسعي يقضي استمرارية التدخلات وتصدير الثورة ودعم الجماعات الموالية، وهو ما يفسر إصرار النظام الإيراني على المواجهة والتصعيد ورفعه مستوى التوترات ومغامرته في إشعال حرب في المنطقة، فبالنسبة له المواجهة والتصعيد أقل خطورة على بقائه من التفاوض والانفتاح على المجتمع الدولي.

هذا يعني أن النظام في إيرن سوف يستمر في التصعيد واستفزاز المجتمع الدولي في قادم الأيام، ولن يكون مستعدا لإجراء مفاوضات أو التوصل إلى اتفاقيات تهدئة، بعد أن اتخذ القرارات وأعد العدة والعتاد لأي مواجهة خارجية مع القوى الغربية، أو داخلية مع الشعوب الإيرانية الثائرة.

 

مدير مركز المزماة: إيراهيم المقدادي

14 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق