علاقة تركيا وقطر مهددة بمزاج أردوغان وحساباته المصلحية

 بمقتل أبوبكر البغدادي يكون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد انقلب على داعش، بعد سنوات من التسهيلات التي قدمها للتنظيم، من حيث رفده بالمقاتلين، وجعل الأراضي التركية محطة تزويد لداعش بالعناصر والسلاح، وكذلك التغاضي عن عبور الخلايا والأفراد عبر الحدود التركية السورية.

والآن بعد أن وجدت تركيا مصلحة في تقديم رشوة للأميركان، باعت البغدادي، وسهلت القضاء على خليفة الدواعش في العملية الأخيرة، والتي لم تتم لولا تنسيق أميركي تركي، لأن تصفية البغدادي تمت في منطقة قريبة جدا من الحدود التركية.

وبحسب المراقبين لسياسة أردوغان، بما فيهم قيادات معارضة لسياساته من داخل البرلمان التركي، لا يمكن الوثوق بأردوغان وحزبه ولا بوعوده وتحالفاته، وهذا ما ينتظر دويلة قطر وما لا تدركه جيداً، لأن حاجتها
إلى التحالف مع أردوغان تعميها عن رؤية تقلباته وبحثه عن المصلحة وآليات حماية موقعه على رأس السلطة.

وتكمن الورطة التي تحيط بقطر في أن أردوغان قام ببيع البغدادي للولايات المتحدة، في رشوة أسعدت ترامب، الذي يواجه بدوره استحقاق الانتخابات الصعبة، في ظل رغبته المحمومة في الاحتفاظ بكرسي الرئاسة للمرة الثانية. وهذا السلوك الأردوغاني الذي يضحي بالحلفاء قد يشمل في المستقبل بقية التنظيمات الإرهابية والدول التي تدعمها.

بينما تراهن قطر منذ سنوات على جماعة الإخوان الإرهابية وخلاياها الهاربة، التي تأوي عدداً منها، وعلى الجانب الآخر تأوي تركيا أعداداً أخرى، وتستثمر قطر في حماية الإخوان وتقوم بتمويل قنوات ومنابر إعلامية لهم في أسطنبول. وبالتالي فإن الدوحة معرضة لضربة مزدوجة، تتمثل في تخلص أردوغان من خلايا الإخوان وطردهم من تركيا، والضربة الثانية ترك الدوحة بلا حليف سياسي واقتصادي، إلى جانب ما سوف تخسره قطر، عندما لا يجد أردوغان وسيلة لتجديد نظامه والحصول على مشروعية جديدة إلا من خلال طرد المجموعات الإخوانية، وإنهاء فترة الاستضافة التي استغلها الإخوان وشعروا بالأمان. وقد بدأت بالفعل مؤشرات طرد الإخوان والتخلص منهم على مراحل، شملت حتى الآن بعض العناصر الإخوانية المصرية.

وإجمالاً فإن من يراقب الأحداث ويرصد أزمات أردوغان والتحديات التي تواجه حزبه، يلاحظ أن الحلول التي يلجأ إليها لا تخلو من التخلص من الحلفاء، بما فيهم أقرب الناس إليه داخل حزبه وشركاء المحطات الأولى من تأسيس مشروع الحكم الإخواني المهجن في تركيا.

وكل المؤشرات توحي بأن التوقيت فقط هو ما ينتظر مصير العلاقات التركية القطرية. فأردوغان باع زعيم داعش وتخلص من دوره، بعد أن فقد البغدادي السيطرة على الأرض والمقاتلين وانتهت كذلك سيطرة التنظيم على آبار النفط، وبالتالي فإن السيناريو التركي مرشح للتكرار مع تجمعات وخلايا تنظيم الإخوان الإرهابي. وفي مرحلة تالية سوف يبيع أردوغان صديقه القطري ويكشف كل أرواق الدوحة وأجندة آل ثاني لدعم الإرهاب.

ومنذ فترة بدأت الضغوط التي يواجهها أردوغان داخل وخارج تركيا تدفعه إلى اتخاذ قرارات تخيف حلفائه، وعقب التخلص من البغدادي بتعاون تركي تأخر كثيراً، أصبح الذعر يخيم على وجوه عناصر وقيادات الإخوان في أسطنبول، لأن نظام أردوغان قد يلجأ إلى تبرئة نفسه وتجديد شرعيته بفك ارتباطه مع النظام القطري، وعندما تأتي لحظة فك الارتباط بين أردوغان وآل ثاني لن تحدث بصمت، بل سوف يستغلها أردوغان لكشف ملفات قطر في دعم الإرهاب، لكي يكسب أكبر قدر من النقاط من وراء بيع قطر وإنهاء التحالف الخاسر معها.

ومن يتابع الشأن التركي الداخلي، يلاحظ أن أصوات المعارضين لنظام أردوغان بدأت ترتفع أكثر، سواء من قبل الأحزاب المنافسة للعدالة والتنمية، أو العناصر المنشقة من حزب أردوغان وما تمثله من ضغط نفسي، في ظل ترقب أردوغان لخطوة ولادة حزب جديد مرشح لمنافسته بقوة، وخاصة أن بعض العناصر المنشقة كانت على صلة جيدة مع النظام القطري، الأمر الذي قد يدفع أردوغان إلى الانتقام من الدوحة وتركها وحيدة من دون أصدقاء. وفي ظل تخبط قطر وانسلاخها عن البيت الخليجي، سوف يشكل الانهيار المحتمل لتحالفها مع تركيا ضربة موجعة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

29 أكتوبر 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق