عوائق خروج الاقتصاد الإيراني من ركوده العميق

 تصطدم عملية خروج إيران من المأزق والركود العميق، بعدة عوائق يصعب تعبيدها بسهولة لما لها من جذور قوية في الداخل الإيراني والخارج، لا يريد المتنفذين في الداخل إزالتها لأسباب كثيرة، أهمها مصلحتهم الذاتية، وعدم السماح للتيار المعتدل الذي يقود الحكومة الإيرانية حاليا بتحقيق أي نجاح أمام الشعب الإيراني، لأن ذلك سيكون بداية نهاية هؤلاء المتنفذين من الحرس الثوري والتيار المتشدد، وهو ما يعني استمرارية الركود الاقتصادي الذي تعاني منه إيران رغم محاولة روحاني خلق جو من التفاؤل من هذه الناحية.

ويؤكد الخبراء على عكس ما قاله رئيس الجمهورية حسن روحاني، فإنهم يعتقدون أن إيران تواجه أطول وأعمق ركود اقتصادي في الــ 35 سنة الأخيرة، ويقولون أن الحكومة بسبب افتقارها لانسجام اقتصادي لا تستطيع الخروج من هذا الركود العميق، ويضيف رئيس غرفة تجارة طهران “مسعود خوانساري” أن هذا العام شهد أكبر ركود اقتصادي منذ 35 عاما، كما أكد الأمين العام لمجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران “محسن رضائي” أن إيران تواجه أطول وأعمق ركود اقتصادي.

فشل حكومة روحاني حتى الآن في تخفيف حدة الأزمات:

ترى حكومة روحاني حاليا أن أولى أولوياتها وضع برامج وخطط من أجل إخراج اقتصاد البلاد من الركود العميق الذي عانى منه على مر العقود الثلاث من عمر الثورة، وفي آخر سنتين شهد الاقتصاد الإيراني تضخما جامحا جعل العملة الوطنية الإيرانية في أسوأ حالاتها، وضاعف من معدلات الفقر والبطالة والمشاكل الاجتماعية وزاد من حدة الجرائم وظاهرة التشرد وغيرها من الأزمات التي تعاني منها المجتمعات في إيران، وهذا الوضع المزمن مازال واضحا في إيران رغم كافة البرامج التي فعلتها حكومة روحاني، ما يعني فشلها في إدارة البلاد بمساعدة المتشددين.

تشديد العقوبات الأميركية واتباع سياسة الضغوط  القصوى على طهران

أثرت العقوبات الأميركية على إيران بشكل سلبي للغاية في كافة القطاعات الاقتصادية والمالية والتنموية في البلاد، لدرجة يفضل فيها النظام الإيراني إشعال حرب إقليمية على استمرار هذه العقوبات التي تنهش بجسد النظام الإيراني السياسي والاقتصادي، وتشير التقارير إلى أن خسارة إيران بسبب العقوبات الأميركية قد تجاوزت الــ 500 مليار دولار، وتهاوت صادرات النفط الإيراني إلى أقل مستوياتها منذ عدة قرون، ووصلت إلى نحو 100 ألف برميل بعد أن كانت 3 ملايين برميل بعد توقيع الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن طهران، ولا تزال الولايات المتحدة تصر على تفعيل سياسة أقصى الضغوط والعقوبات على طهران حتى إخضاع النظام الإيراني بالشروط الأميركية والدولية.

ارتفاع معدلات التضخم والرسوم

ومن التحديات التي تواجهها سياسة خروج الاقتصاد الإيراني من الركود، ارتفاع معدلات التضخم والرسوم الحالية والمؤجلة، والمسؤولون الاقتصاديون في إيران صب تركيزهم خلال العام الماضي على تقليص معدلات التضخم في البلاد من خلال سياسة الانكماش المالي، لكن هذه الطريقة من الناحية العملية لا يمكن أن تؤدي إلى خفض مستدام للتضخم، وفي طبيعة الحال سيؤدي هذا التضخم إلى مزيد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية على رأسها ارتفاع الأسعار وتضخم معدلات الفقر والبطالة وهو ما يشكل في النهاية عائقا آخر من عوائق خروج الاقتصاد الإيراني من الركود الذي يقبع فيه.

اعتماد ميزانية البلاد على الموارد النفطية

اعتماد الموازنة السنوية على الموارد النفطية من التحديات التي تواجهها سياسة الخروج من الركود، وخاصة أن الموارد النفطية في حالة انخفاض مستمر بسبب العقوبات الأميركية وهبوط أسعار النفط عالميا، الأمر الذي أدى إلى هبوط صادرات النفط الإيراني إلى ما دون الــ 100 ألف برميل يوميا، الأمر الذي رافقه تقليص في ميزانية الدولة في مجالات عدة أهمها الناحية العمرانية والمنشآت، وسياسة التقشف في تخصيص ميزانية القطاعات العامة أدت إلى تعميق الركود الاقتصادي، لعدم توفر التمويل اللازم لتحريك عجلة التنمية الانتاجية والاقتصادية في البلاد وخاصة في المجال العمراني.

77 ألف مشروع غير مكتمل في إيران

أظهرت الدراسات الإيرانية أن هناك نحو 77 ألف مشروع غير مكتمل في إيران بقيمة استثمارية بلغت 147 مليار دولار، ووفقا للتقديرات فإن هذه المشاريع تحتاج إلى تكلفة إضافية قيمتها 150 مليار دولار من أجل إكمالها، والكثير من الخبراء الاقتصاديين يرون أنه من عوائق خروج الاقتصاد الإيراني من الركود هو هذه المشاريع غير المكتملة، لأن هذه المشاريع خلقت ضغطا إضافيا على الموارد المالية المحدودة في الأساس.

انخفاض حاد في سوق رأس المال:

من العوائق التي مازالت تقف أمام عجلة التنمية الاقتصادية في إيران هو الانخفاض الحاد في المعاملات التجارية وسوق رأس المال، ويرى المراقبون أن استمرارية هذا الانخفاض سيحول الركود الاقتصادي إلى أزمة اقتصادية حادة، ما أدى إلى وجود حالة من الجمود في الحركة التجارية والتنموية، وارتفاع نسبة الأضرار في الوحدات الإنتاجية المحلية وتكدس الصناعات الداخلية، وعادة ما يرافق هذه الحالة موجة من تسريحات العمل وتباطؤ حالة الانتعاش الاقتصادي في البلاد، وفي حالة استمرت هذه الحالة الجمودية في حجم المعاملات والصفقات والإنتاج، ستكون عائقا ماديا ونفسيا أمام معالجة الوضع الاقتصادي لأي دولة تعاني من ركود عميق كإيران.

سوء الإدارة وغياب الكفاءات والخبرات الاقتصادية بين صانعي القرار:

تعاني الإدارة الحكومية في إيران من نقص في الخبرات الإدارية المتخصصة في مجالات التنمية وخاصة إدارة السياسة الاقتصادية، إضافة إلى ضعف صلاحياتها وفقدان سيطرتها على زمام الأمور في الشأن الداخلي والخارجي، فسوء الإدارة أحد أكبر معوقات الخروج من الركود، وقد صرح مسبقا رئيس مجلس الشورى الإيراني “علي لاريجاني” أن مشاكل الدولة ليست جميعها بسبب العقوبات، بل بعض منها بسبب الإدارة غير الصحيحة، والتي سوف تحل بالإدارة السليمة والتكافل الشعبي، وفي تصريح آخر انتقد لاريجاني إدارة بلاده للمشكلات الاقتصادية وعدم فاعلية القطاع الخاص، وقال إن أغلب المشاكل الاقتصادية في إيران ناتجة عن سوء الإدارة، والقليل منها فقط بسبب العقوبات الاقتصادية، ولا يجب أن نربط جميع مشاكلنا بالعقوبات، وأضاف إلى أن الفساد الإداري والهيكلي من المشاكل التي تعاني منها البلاد، وانتقد بشدة عدم فاعلية القطاع الخاص في إيران برغم وجود ثروات هائلة في البلاد.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

21 أكتوبر 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق