غلاء الأسعار في إيران ما بين الأسباب الحقيقية وشماعات النظام

تشهد أسعار السلع والخدمات في إيران ارتفاعا جنونيا قلّصت بشكل كبير القدرة الشرائية لدى غالبية المواطنين، ووضعت عوائق معقدة أمام القطاعات الاقتصادية والتنموية في البلاد التي تشهد حاليا ركودا عميقا لا أمل يلوح في الأفق في الخروج منه، في ظل عجز حكومي وغياب البرامج والأدوات اللازمة لمعالجة الأزمات أو الحد منها، ما يجعل الأوضاع الداخلية في إيران تزداد سوءأ يوما بعد يوم، وأكبر مؤشر على ذلك، ارتفاع أسعار السلع والخدمات المستمر رغم ضعف الدخول وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين.

وفقا لتقارير مركز الإحصاء الإيراني، فإن أسعار سلع الأغذية الأكثر استهلاكا في إيران، قد ارتفعت الضعف منذ بداية العام الجاري حتى الآن، رافق هذا الارتفاع الكبير زيادة قليلة على رواتب العمال والموظفين وكافة أصحاب الدخول المتوسطة والضعيفة، إذ تشير هذه التقارير أن نسبة بعض أسعار السلع والمواد الغذائية والخدمات قد ارتفعت بنسبة تزيد عن 300%، بينما كانت الزيادة على الدخول لا تتجاوز في حقيقتها 5% بالنظر إلى سقوط العملة المحلية مقابل أسعار العملات الأجنبية، والتي كان لها تأثير كبير في التضخم وارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية إلى أدنى مستوياتها في إيران منذ أربعين عاما.

وبناءاً على أحد التقارير الإيرانية، فإن أسعار السلع الأساسية، مثل الألبان والبيض والدواجن واللحوم والخضار والفواكة قد ارتفعت منذ أبريل الماضي حتى الآن نحو 100%، وفي بعض الأوقات والمناطق وصلت إلى أكثر من 250% وهي في حالة ارتفاع مستمر، وذلك بالتزامن مع ارتفاع في أسعار المنازل والإيجار نسبته تزيد عن 50%، وقد أنعكس هذا الارتفاع بشكل ملحوظ في زيادة العشوائيات في إيران، وانخفاض القدرة الشرائية، وغياب الكثير من السلع عن الموائد والسفر الإيرانية.

تشير الحسابات إلى أنه في ظل الأوضاع المتردية وارتفاع الأسعار في إيران، فإن ما نسبته 70% من الأسر الإيرانية غير قادرة على شراء ما تحتاجه من السلع والأغذية والاحتياجات الرئيسية، وهذا الأمر زاد عدد الفقراء في إيران بنسبة 32% خلال الأشهر القليلة الماضية، وأصبحت الأسر الإيرانية بحاجة إلى أكثر من 80% من دخلها لأنفاق الغذاء فقط، في حين تحتاج إلى أكثر من ذلك للسكن والملبس ودفع الفواتير … وغير ذلك.

في الحقيقة، فإن ارتفاع الأسعار وتردي الأوضاع الداخلية في إيران بدأ بشكل فعلي مع وصول النظام الإيراني الحالي إلى سدة الحكم عام 1979، إذ بدأت أسعار السلع ترتفع بشكل تدريجي دون النظر إلى معدلات الدخل الأسري، غير أن الحرب الإيرانية العراقية التي كان سببها وصول الخميني إلى سدة الحكم مع بداية الثمانينات، كانت الشماعة التي علّق عليها النظام أسباب تردي الأوضاع وارتفاع الأسعار ومعدلات الفقر والبطالة.

وبعد انتهاء الحرب عام 1988، سعى النظام الإيراني إلى إبقاء نيران الخارج مشتعلة عبر افتعال أزمات وصراعات مع المجتمع الدولي، الذي رأى فرض عقوبات اقتصادية ومالية على إيران أفضل طريقة للحد من أنشطتها التخريبية وابتزازاتها النووية، فكانت ولا تزال الشماعة الثانية التي يعلق عليها النظام الإيراني سبب فشله في إدارة البلاد وتردي الأوضاع ووصولها إلى درجة لا تطاق.

وما بين الفينة والأخرى، كان هناك الحاجة إلى شماعة ثالثة يعلق المرشد الأعلى عليها مسؤولية تردي الأوضاع وارتفاع الأسعار، وكبش فداء يقدمه لإطفاء غضب الداخل وتعليق مسؤولية فشل إدارة البلاد على عنقه، وهي الحكومات المتعاقبة، التي لم يسلم أي من رؤسائها وكبار مسؤوليها من تهم فشل إدارة البلاد والتورط بقضايا فساد وغيرها.

ولكن في الحقيقة، فإن ارتفاع الأسعار الجنوني الذي يجتاح الداخل الإيراني، ويعبّر بمجمله عن تفاقم الأزمات وتردي الأوضاع، سببه الرئيسي هو سياسات النظام الإيراني الخاطئة، والتي أقيمت على أساس مشروع توسعي أهدر ثروات وأموال البلاد، وجعلها تقبع تحت وطأة العقوبات والضغوطات الدولية، فضلا عن اعتماد ديمومة النظام على مبدأ شراء الولاءات، والذي فتح الأبواب على مصراعيها أمام تفشي الفساد بكافة صوره في جميع مؤسسات الدولة.

 

مركز المزماة للدراسات والبحوث

15 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق