آراءرئيس المركز

قضية فلسطين تتطلب استراتيجية مختلفة غير الانتحار

بث جيش الاحتلال الإسرائيلي شريط فيديو مأخوذا عن كاميرا مراقبة، يكشف المشهد في 14 ثانية عملية الطعن التي نفذها طفلان فلسطينيان على باب السلسلة في القدس. ويُظهر المشهد دخول الطفلين إلى ما يشبه ثكنة جنود مدجّجين بأسلحة وتجهيزات حماية لا تجدي معها السكاكين، فيما يشهر كل طفل من الاثنين سكينا ويحاول أن يطعن بها الجنود، وكانت النتيجة مصرع الطفلين بسرعة قياسية وارتماءهما على الأرض ملطخين بالدماء.

من الواضح أنهما يقتديان بتجارب سابقة في الطعن والعنف الفردي التي حدثت من قبل، وهناك أيضا حوادث دهس متعمدة، قد لا تؤدي إلى نتائج في صفوف الإسرائيليين، لكنها تنتهي دائما بقتل الفلسطيني الذي يقوم بها، وتاليا هناك إجراءات انتقام إسرائيلي تتضمن في الغالب نسف بيوت وملاحقات واعتقالات تطال أعدادا أخرى من الشباب الفلسطينيين.

هذه المتاهة من العنف غير المتكافئ في موازين القوى أصبحت غير مجدية، بل ينطبق عليها ما يقوله الإسلام الذي يدعو الإنسان إلى عدم إلقاء نفسه في التهلكة. فماذا نتوقع أن يحدث لطفل يشهر سكينا في وجه جندي خائف ومرتبك مدجج بالسلاح؟

لا شك أن قضية فلسطين قضية عادلة ومزمنة والعالم بأكمله يعرف هذه الحقيقة. ولا بد من وضع حد لمعاناة الفلسطينيين، ولكن ليس بهذا الشكل الذي تحول إلى ملهاة لا حدود زمنية لنهايتها، لأن الثقافة الانتحارية أثبتت أنها غير مجدية، بل تتسبب في إهلاك المزيد من الأرواح.

المشهد المصوّر الذي تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي لحادثة مقتل الطفلين أثناء محاولتهما طعن جنود إسرائيليين، قد يدفع البعض إلى المزيد من الحماس والغضب. لكن التفكير العقلاني في المشهد ذاته ينبغي أن يدفعنا إلى التساؤل إلى متى سوف يستمر هذا الأفق المسدود الذي يتولد من العنف غير المنتج لأي حلول أو حتى ضغوط على الجانب الإسرائيلي؟ بل إن مثل هذه العمليات التي يعتقد البعض أنها ملهمة وبطولية تكسب الإسرائيليين نقاطا لصالحهم في المحافل الدولية. حيث يستغلون مثل هذه الحوادث العابرة والهامشية لتحويلها إلى اتهامات كبرى بحق الفلسطينيين الذين يتم تصويرهم في خانة الإجرام والإرهاب والعنف، بينما يقدم الإسرائيليون أنفسهم في خانة الضحايا الذين يواجهون الاعتداءات الطائشة.

يجب على الإنسان في هذا الزمن أن يحسب الربح والخسارة من كل إجراء يقوم به. فما بالنا عندما يكون لذلك الإجراء أو التصرف انعكاس سلبي على قضية بحجم فلسطين. فإذا كانت مثل هذه العمليات الانفعالية مدفوعة فقط بالحماس والتأثر بمشاهد مِثلها كانت قد سبقتها، فإنها في المقابل تمنح الطرف الإسرائيلي ما يقوله للمجتمعات الغربية والمنظمات والدول المؤثرة في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.

الإشكالية تكمن كذلك في أن حركة حماس التي تستثمر إعلاميا مثل هذه العمليات تستلم ثمنها وتستخدمها للاصطفاف الانتهازي مع إيران، بينما حركة حماس متقوقعة في غزة وحريصة على التشبّث بحكم القطاع بمفردها مهما كلف ذلك الطمع القضية الفلسطينية ووحدة الفصائل.

إن كل إنسان عاقل لا يملك إلا أن يتعاطف مع الضحايا الذين تم استغلالهم وتعبئة عقولهم بشعارات تسوقهم إلى الموت من دون تحقيق نتيجة إيجابية تخدم الأحياء. وعندما نتساءل كيف لأولئك الأطفال أن يهجموا على جنود مدججين بالسلاح وهم لا يملكون سوى السكاكين فقط في أيديهم؟ ندرك أن الأيديولوجيا والتعبئة النفسية هما اللتان جعلتا من أولئك الأطفال مجرد آلات لطاعة وتنفيذ تعليمات نسخة أخرى من تجار الدين والقضية، الذين يوهمون الأطفال والشباب وهم في طريقهم إلى الموت المؤكد أنهم في طريقهم إلى الجنة. ودائما ما يتساءل الناس لماذا يدفع تجار الدين الآخرين إلى سلوك أقصر الطرق إلى الجنة، بينما يتجنبون السير بأنفسهم في تلك الطرق التي يقترحونها للآخرين؟

إن المكان الصحيح لجميع الأطفال في كل مكان هو المدرسة ثم الجامعة ثم العيش بسلام حياة طبيعية. أما البحث عن حلول ومعالجات للقضايا الكبرى فإنه يكون بيد صناع القرار. حتى في الإسلام لا يمكن لكل من هبّ ودبّ أن يعلن الجهاد بنفسه وأن يقفز على الحاكم وقياساته للأمور والظروف المحيطة بالواقع.

من هنا نعرف أن هذا الموضوع يولد الكثير من الحساسية، لأن النخب المثقفة تفضل أن تتماهى مع المزاج الشعبي وأن تتجنب مكاشفة الذات حتى لا يحدث الصدام بينها وبين الثقافة الشعبوية التي تمجّد البطولات الانتحارية. وفي هذا النوع من البطولات لا تهتم المجتمعات بما الذي حدث للبطل بعد ذلك، وما هي النتيجة التي حققها، بل تكتفي بفعل التضحية والشجاعة والإقدام. ويتطلب الخلاص من الغرق في هذا الأداء غير الاستراتيجي مراقبة الطرف الآخر الممثل بالاحتلال الإسرائيلي والاستفادة من دهائه، الذي لا يعتمد على الشعارات والغيبيات والخرافات وحدها، وإن كانت موجودة بالفعل وتندرج في صميم تكوين الدولة الصهيونية، لكن في المقابل هناك أداء عسكري وسياسي وعلمي متفوق يمكن اعتباره أساس نشوء واستمرار الكيان الطارئ، الذي حافظ على وجود ذاته منذ 1948، نتيجة لخلل في استراتيجية من يواجهونه بأساليب عفا عليها الزمن، لأنهم يعتقدون أن الانتحار هو الحل. بينما يقول الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش: على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ.

فعندما يكون الانتحار في مقدمة الحلول، فإن هذا الخيار يكشف عن خلل وعجز في ابتكار أساليب أذكى وأرقى في مواجهة الخصم. بل إنك تقدم له من خلال ثقافة الانتحار ما يخدم منطقه ويثبت وجوده على حسابك.

 

بقلم: د. سالم حميد
20 أغسطس 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق