ماذا ربحت إيران من هجوم أردوغان على شمال سوريا؟

 يتغذى النفوذ الإيراني في المنطقة على الفوضى والحروب والاقتتال، وترتكز أسس التمدد الصفوي على نظرة تصدير الثورة واستغلال انعدام الأمن والاستقرار في أي منطقة للقفز على القوانين والمقررات الدولية والاستظلال تحت مظلة محاربة الإرهاب ودعم الأنظمة الشرعية أو الدفاع عن حقوق الشعوب المضطهدة.

لذا فإن أي فوضى أو اقتتال في المنطقة تذكي الشهوة الإيرانية وأطماع الملالي في التوسع والنفوذ والتدخل في شؤون الغير، وتعتبر وقودا لخلايا فيلق القدس السرطانية، وترتبط الفوضى وانعدام الأمن والأمان بتصدير الثورة الإيرانية بعلاقة طردية مسببة، أي كل طرف يقود إلى الطرف الثاني ويدعم كل منهما الآخر، لذا فإن النظام الإيراني يرى أي فوضى أو معركة في المنطقة يمكن استغلالها لمصالحه التوسعية بطرق وأساليب متعددة.

ورغم بعض التصريحات الإيرانية المنددة والرافضة للهجوم التركي على شمال سوريا، وإصدار مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) بيانا يدين فيه هذا الهجوم، إلا أنه في الحقيقة لا يبدو أن في غرف صناعة القرار الإيراني من هو منزعج حقا من العملية العسكرية التركية في شمال سوريا، فالرئيس الإيراني حسن روحاني منذ البداية أوضح أن طهران تتفهم القلق التركي، لكنها ترى أن الحل الأفضل هو انتشار الجيش السوري على الحدود مع تركيا.

وترى إيران من الهجوم التركي على شمال سوريا تأمينا لظروف الزحف الإيراني بأدوات سورية إلى أماكن كان من المستحيل الوصول إليها في ظل السيطرة الأميركية الكردية المشتركة قبل الانسحاب الأميركي، فالعمليات العسكرية التركية تمكن قوات الجيش السوري الذي يدار من قبل ضباط وقيادات إيرانية من الدخول إلى مناطق الأكراد في شمال سوريا أو محاصرتها على أقل الاحتمالات، وهو ما يعتبر إضافة جغرافية مهمة لإيران وحليفها النظام السوري.

كما حقق الهجوم التركي على شمال سوريا مطالب إيران المتكررة في انتشار الجيش السوري على الحدود مع تركيا، وذلك بعد أن دفع الهجوم التركي الأكراد إلى عقد اتفاق مع الحكومة السورية، يقضي بالسماح للجيش السوري بالانتشار شمالا، ولهذا يمكن اعتبار أن ما حدث قد لبى رؤية إيران وأطماعها في الشمال السوري.

وفي حال نجاح القوات السورية في الانتشار على الحدود التركية، ووضع يدها على منافذ حدودية لم يكن بإمكانها الوصول إليها، فإن ذلك سيكون ورقة ضغط طويلة الأمد بيد إيران والنظام السوري ضد تركيا، تستخدم في أي عملية تفاوض أو نزاع قد يحدث في أي وقت مع تركيا، فمن الناحية العسكرية تعتبر هذه القوات الخط الأمامي لإيران في أي مواجهة مع تركيا التي يجمع بينهما تاريخ عدائي طال قرونا، ومن الناحية السياسية ورقة ضغط لأي عملية تفاوض في المستقبل، وتعزيز لمكانة حليف إيران السياسية في المجتمع الدولي.

وتتقاسم تركيا وإيران المخاوف بشأن القضية الكردية والمطالبات المستمرة بالانفصال وتأسيس دولة كردية مكتملة الأركان، ويعلم نظام إيران وأردوغان أن أي نجاح كردي في أي منطقة سيتبعه مطالبات كردية بالانفصال عن إيران وتركيا وكذلك العراق وسوريا، لهذا ترى إيران من الهجوم التركي على الأكراد خطوة مهمة نحو إضعاف العنصر الكردي وإجهاض مطالباته السياسية بالاستقلال وإضعاف لقدرات الأكراد العسكرية في المنطقة بشكل عام، فعقيدة صانعي القرار الاستراتيجي في تركيا وإيران، تقوم على أساس أن كل المناطق الكردية بما فيها شمال سوريا لا تنفصل جغرافيا عن بلدانهما، كونها امتدادات كردية جيوبوليتيكة تحتاج دائما إلى ضبط وتنظيم وإعادة هندسة كي تبقى تحت السيطرة، بما لا يهدد الأمن القومي الإيراني والتركي في أي وقت من الأوقات، فأي استقلال قد تحصل عليه أي جماعة كردية في أي منطقة، قد يؤدي إلى مشكلات كبيرة لإيران وتركيا أهمها مطالبة الأكراد الذين يعيشون في هاتين الدولتين بالحكم الذاتي أو ربما الانفصال والاستقلال.

وإذا تمكن الهجوم التركي من إخراج الأكراد من المعادلة الإقليمية، وتقليص تأثيرهم على المشهد السياسي والميداني في المنطقة، فإن ذلك سيوفر الظروف اللازمة لوساطة بين تركيا وسوريا تتبناها إيران وروسيا، وهو ما يعتبر هدفا سياسيا رئيسيا لإيران تسعى من ورائه إلى خداع تركيا وسوريا بأنها تريد الحفاظ على علاقتها مع كلتا الدولتين في آن واحد، وهو ما سيعطي إيران مساحة جغرافية أوسع للتحرك في الداخل السوري لأجل توسيع الأنشطة الإرهابية وتعزيز خطوط الإمدادات والتواصل بين أذرع إيران الإرهابية في المنطقة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

17 أكتوبر 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق