ماذا لو تعرضت إيران لضربة عسكرية مباشرة؟

 

تستخدم إيران بروباغندا إعلامية في أخطر مغامراتها التاريخية على الإطلاق، بالإصرار على العناد وتقديم صورة مزيفة للقوة الإيرانية التي لن تقهر في أي مواجهة عسكرية قد تقع في المنطقة، مستغلة بعض الحوادث التي وقعت مؤخرا كحادثة إسقاط الطائرة الأميركية المسيرة، ونجاح الحرس الثوري في احتجاز ناقلة نفط بريطانية، كوقود لهذه الدعاية الإعلامية وغذاء للروح المتهورة لقادة الحرس الثوري، الذين يصرون على تجاهل ما لدى الولايات المتحدة من قدرات عسكرية وسياسية واقتصادية لا تضاهيها أي قوة أخرى في العالم، بما في ذلك دول عظمى مثل روسيا والصين.

إن طبيعة السياسة التي تنتهجها إيران حاليا، تشير إلى اتخاذ قرار إشعال حرب في المنطقة في غرف اجتماعات أصحاب القرار في بيت المرشد الإيراني، وهي الوسيلة الوحيدة باعتقاد قادة الحرس الثوري المتبقية أمام النظام الإيراني لتجنب سقوط حتمي بفعل ما ستحدثه العقوبات الأميركية على الداخل الإيراني، وهي مغامرة تهدف من ورائها إيران إلى تهديد المنطقة والعالم لدفع القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة إلى التراجع عن سياسة الضغوط القصوى على إيران، بينما تخترق غرف التخطيط وصناعة القرار في إيران تقارير تحذيرية من مراكز دراسات وأبحاث وخبراء عسكريين من أي مغامرة إيرانية قد تدخلها في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.

ولكن كافة المؤشرات تؤكد حتى هذه اللحظة أن لا تراجع حتى تحيد إيران عن سياساتها التوسعية وأنشطتها الإرهابية وتقدم ضمانات تتعلق بعدم سعيها للحصول على أسلحة نووية، والتوقف عن كافة تدخلاتها وسلوكها التخريبي في المنطقة، وإنهاء دعمها للجماعات الإرهابية في اليمن ولبنان وسوريا والعراق.

 وبين العناد الإيراني والإصرار الأميركي، قد تتعرض إيران لضربة عسكرية مدروسة تحدث خللا كبيرا في مؤسساتها السياسية وقواها العسكرية والأمنية، ولا يعني تأجيل دونالد ترامب الضربة العسكرية التي كانت مقررة لإيران، بأنه إلغاء أي عمل عسكري أو استبعاده عن قائمة خيارات التعامل مع التمرد الإيراني، بل يمكن القول أن مؤسسات القرار في الولايات المتحدة قد أعادت إعداد الضربة العسكرية لتحقق أهدافها بأقصر وقت وأقل الخسائر، مع ربط ذلك بالمستوى الثاني من التهور الإيراني، باعتبار التهور الإيراني السابق من إسقاط الطائرة الأميركية المسيرة وتشكيل تهديد في مضيق هرمز هو من المستوى الأول.

إن أي ضربة عسكرية ستتلقاها إيران ستكون نهاية النظام الحاكم فيها بكل تأكيد، ولن تتلقى إيران أي دعم من أي دولة أو قوة سوى إعطائها الأوامر لأذرعها بالمنطقة لشن بعض الهجمات الإرهابية في دول المنطقة وخطوط إمداد النفط، ولن تغامر دول مثل روسيا أو الصين بأمنها القومي لإرضاء النظام الإيراني خاصة أنها ستشاهده في حالة إنهيار فور بدء الضربة العسكرية، والجميع يعلم أن الأسلحة الإيرانية تقليدية وضعيفة ولا يمكنها أن تقاوم ترسانة أسلحة جوية وبحرية وبرية متطورة، بل أن التقارير تتحدث عن قدرة الولايات المتحدة على تعطيل الرادارات وأجهزة التحكم التي تملكها إيران وتستخدمها لأي عمل عسكري، كما حدث في تفجير منصة إطلاق الصاروخ الذي يحمل القمر الصناعي مؤخرا، وإذا ما أجرينا أي مقارنة بسيطة بين القوة العسكرية الأميركية والإيرانية من زاوية القوات الجوية والطائرات المقاتلة وعدد الدبابات والمدفعية والصواريخ ووسائل التجسّس وتعداد الجنود والإمكانيات الاقتصادية … الخ، فقوة إيران وفق هذه المقارنة لا تمثل أي شيء يذكر.

وعادة ما تتضمن الاستراتيجية الأميركية في حروبها العسكرية خططا مدروسة للتواصل مع الداخل وخاصة المعارضة، وهو ما تؤكده التقارير الأمنية الإيرانية من وجود نفوذ واختراق أميركي وغربي لمؤسسات صنع القرار في إيران، وعلى ما يبدو أن لدى الولايات المتحدة جماعات وشخصيات بارزة ومؤثرة كثيرة تعمل معها من الداخل، وتمدها بأخطر وأهم المعلومات حول الانتشار العسكري للقوات الإيرانية ومنصات إطلاق الصواريخ ومقرات الرادارات والخطط العسكرية المزمع تنفيذها، فضلا عن انتظارها ساعة الصفر للثورة والخروج ضد النظام في حالة أي حرب، ما سيشكل ضربة مزدوجة داخلية وخارجية لحكم الملالي، ومن المتوقع أيضا أن تخرج جماعات مسلحة معارضة تحارب قوات الحرس الثوري الفارسي من الداخل، وفي الحالة الإيرانية فإن القوى الغربية يمكن أن تحقق نتائج كبيرة في هذا الصعيد، لوجود معارضة شعبية ورفض شبابي واسع لنظام الولي الفقيه، ووجود عدد لا بأس به من الشخصيات السياسية والعسكرية والأمنية والدينية التي كانت محسوبة على النظام، تسعى حاليا إلى القفز من سفينته قبل الغرق، ولا مانع لديها من التعاون مع المجتمع الدولي للخلاص من ولاية الفقيه، وتنتظر الفرصة لتحقيق ذلك، والتي ستوفرها بالطبع الحرب المحتملة.

وإزاء هذه النتائج، يصعب على مؤيدي إيران الإجابة على السؤال التالي: إذا كانت موازين قوى الولايات المتحدة وإيران تميل صوب الثانية في أي حرب عسكرية محتملة كما يدعون، فلماذا لا تشن إيران حربا على الوجود العسكري الأميركي المحيط بإيران، والذي لا يبعد سوى مئات الكيلومترات، ولماذا تضطر إلى تحمل الأعباء الباهظة للعقوبات الأميركية التي يعترف أصحاب القرار الإيراني بأنها مدمرة للاقتصاد الإيراني.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

5 سبتمبر 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق