الإسلام السياسي

ما بين سطور أدبيات الإسلام السياسي (2-3)

 

 إن نقد الإسلام السياسي وحركاته وفي مقدمتها جماعة الإخوان، مسألة ضرورية جداً، حتى لا يتم منح الإرهابيين مبررات لتصوير أنفسهم كممثل وحيد للدين، إذ لا بد من جعل الإيمان برسالة الإسلام وطابعها الروحي خارج دائرة الاحتكار.

نلاحظ كذلك أن التجاوزات في أدبيات الإخوان تقفز على ثوابت الدين والسياسة والاجتماع والمنطق التراكمي للتطور السياسي في المجتمعات، وخاصة أن مشروع الإخوان التخريبي يأتي على حساب التنوع والتعدد والتسامح. لأن الإخوان يلغون التكافؤ الطبيعي والفرص المتساوية من خلال توغل جمعياتهم واستخدامها لمقايضة المجتمعات الفقيرة بالغذاء والمعونات مقابل التصويت لهم والانتماء إلى جماعتهم.

وهناك طريقة أخرى يتبعها الإخوان لإلغاء التكافؤ بينهم وبين غيرهم وهي احتكار الخطاب الديني والحديث باسم الدين بقصد كسب نقاط إضافية تبرر أي هشاشة في برنامجهم السياسي.

وبالنسبة لدعم الإرهاب في تنظيرات الإخوان المسلمين لا ننسى ممارساتهم العملية في الاغتيالات والقتل والتفجير خلال مرحلة نشاط التنظيم السري الخاص في منتصف القرن الماضي، وعملياته الإجرامية والاغتيالات الشهيرة التي قام بها في مصر أكبر دليل على جاهزية الإخوان لممارسة السلوك الإرهابي.

كما يلاحظ أن الكثير من أفكار مؤسس الإخوان تكشف عن المضمون الإرهابي للجماعة، وأبرز ما قام به البنا هو تهيئة أتباع التنظيم نفسياً وإقناعهم أنهم يختلفون عن الآخرين ويتميزون عنهم. وبذلك يضع البنا ذات الجماعة بشكل منفصل عن المجتمع. وهذا الملمح يحضر بكثرة خلال حديثه عن جماعته، ويظهرها في حديثه بوصفها مجتمعاً موازياً ومختلفاً يعيش في غربة عن واقعه وعن المجتمع الكبير. ويتجلى هذا الملمح الانعزالي من خلال الألفاظ وصيغة الخطاب بضمير الجماعة التي تتحدث عن نفسها وتميز ذاتها عن محيطها الذي تغترب فيه ولا تريد أن تكون جزءاً منه.

وفي مقطع من الرسائل يصف البنا جماعته بأنها “.. بريئة نزيهة، قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية، واحتقرت المنافع المادية، وخلفت وراءها الأهواء والأغراض،.. .. فلسنا نسأل الناس شيئا، ولا نقتضيهم مالاً ولا نطالبهم بأجر، ولا نستزيد بهم وجاهة”!

وبالقياس إلى واقع الإخوان  وأطماعهم التي أصبحت مكشوفة ومفضوحة للجميع، نلمس في المقطع السابق الكثير  من النفاق والكذب والخداع الإخواني. فقد اتضحت بعد نشأة الإخوان أهدافهم. بينما كان البنا يوجه أتباعه إلى الحديث في أوساط الناس عن أنهم بلا أهداف سياسية. ثم ظهرت أهدافهم بعد ذلك أكثر جشعاً وطمعاً للسيطرة على الثروة والسلطة. إلى جانب احتكار الدين.

وفي مقطع آخر يتنطع مؤسس الإخوان قائلاً: “.. فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب، ولن نكون عليكم في يوم من الأيام”. وهنا يكشف مستوى التذلل للجماهير ومقدار تعمد الخداع والادعاء بأن الإخوان على استعداد للتضحية، وأنهم يعملون من أجل الناس أكثر مما يعملون لأنفسهم. وهذا غير صحيح بل ويتنافى مع الطبيعة السياسية وحب المصلحة لدى كل التيارات وعلى رأسها الإخوان الذين لديهم أطماع غير محدودة للسلطة أكثر من غيرهم.

يقسم حسن البنا الناس إلى أربعة أصناف ويضع خطة للتعامل معهم، حتى أنه لا يتردد في القول أن الجماعة بحاجة إلى الشخص النفعي الذي يبحث عن الفائدة، ويقترح فقط أن يتم نصح هذا الصنف بالإخلاص. بينما واقع الجماعة أنها قائمة بأكملها على النفعية وعلى البحث عن المصلحة باسم الدين.

ومن الأمور الخطيرة أيضاً في فكر الإخوان وأدبياتهم موقفهم من الولاء الوطني، حيث يقول البنا بالنص: “افتتن كثير من الناس بدعوة الوطنية تارة والقومية تارة أخرى وبخاصة في الشرق.. . إلى أن يقول: هذا الوهم الخاطئ كان خطراً على الشعوب الشرقية من كل الوجهات” ثم يستعرض البنا موقف الإخوان من الوطنية، ويروج ضمنياً في سياق تحذيره من الوطنية والولاء الوطني قائلاً أنها “تتشيع لمناهج وضعية أملتها الأهواء وشكلتها الغايات والأعراض”

إن حدود الوطنية وفهم الإخوان لها ونقدهم لحب الوطن والولاء له مسألة خطيرة جداً يتصف بها تنظيم الإخوان،  ومن خلال نصوص رسائل البنا نفسه، يورد فقرة بعنوان “حدود وطنيتنا”، يرد في سياقها التالي: “أما وجه الخلاف بيننا وبينهم فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية” وهكذا يسقط مفهوم الوطن المتعارف عليه عند عامة الشعوب، ويعمل الإخوان على نزع الولاء الوطني لصالح الولاء للجماعة ولدولة الخلافة الإخوانية التي يعملون من أجل الوصول إليها.

يقول البنا منتقداً الولاء للوطن: “ودعاة الوطنية فقط ليسوا كذلك فلا يعنيهم إلا أمر تلك البقعة المحدودة الضيقة من رقعة الأرض”!

كما يرفض منهج وفكر الجماعة الإرهابية على لسان منظرهم الأول الولاء للأمة العربية، ويعتبرها “قومية جاهلية”، ويعتبر البنا في رسائله أن رباط العقيدة أهم من رباط الوطن والقومية، وبشأن الخلافات بين الفرق الدينية، يتعامل بانتهازية وميكيافيلية، بهدف كسب أكبر قدر من الأتباع، رغم أن الإخوان لا يطيقون أي جماعة أخرى، لكن في أدبياتهم نوع من التقرب والنفاق، حيث يقول البنا: “..نرى أن هذا الخلاف لا يكون أبدا حائلا دون ارتباط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير، وأن يشملنا وإياهم معنى الإسلام السابغ بأفضل حدوده، وأوسع مشتملاته..”.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى