مخاطر الإرهاب والفراغ الأمني في ليبيا واليمن

عصفت أحداث الفوضى في المنطقة العربية منذ العام 2011 بأقطار عديدة، لكن بعضها استطاعت أن تتجاوز آثار وتداعيات ما بعد انهيار الدولة وتفكك بعض أجهزتها الحيوية في قطاعات الجيش والأمن، وعملت على التوافق حول شرعية دستورية ونخبة حكم جديدة، دعمت الأجهزة والمؤسسات السيادية وحافظت على وظيفتها، كما حدث في تونس ومصر. بينما لم تنجح بعض الأقطار في صياغة التحول الجديد وفشلت في العودة إلى الاستقرار والسلام. وهذا المسار الخطير أوجد بيئة ملائمة لتفشي خلايا الإرهاب واشتراكها في إطالة أمد الفوضى. بل إن الفراغ الأمني والسياسي يمثلان للمتطرفين بمختلف اتجاهاتهم فرصة ذهبية لاختبار قدرة تنظيماتهم على فرض الأمر الواقع، من خلال الاستحواذ على مساحات جغرافية والسيطرة على مواردها، وأيضاً فرض أيديلوجيا وتشريعات مظلمة، تجري محاسبة السكان على أساسها. وهذا ما حدث في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن. بالإضافة إلى انتقال حالة الحرب وانعدام الاستقرار من كونها إشكالية مؤقتة إلى نمط حياة يستفيد منها تجار الحروب التي تخلق عالمها الخاص واقتصادها وأشكال الجباية والنهب والاستحواذ والمصادرة.

اختلف الوضع في العراق وسوريا نسبياً بالمقارنة مع ليبيا واليمن، حيث الأوضاع في البلدين الأخيرين لا تزال مرشحة لانفلات أمني غير محدد بإطار زمني معلوم. وهذا الوضع العالق يدفع أشد المجموعات تطرفاً مثل القاعدة وداعش إلى استغلاله، بهدف السيطرة والانتشار على الأرض، في ظل غياب الدولة القوية القادرة على ضبط إيقاع الأمن والعاجزة عن حرمان المتطرفين من حيازة الأسلحة.

التوصيف السابق ينطبق على المشهد في الساحة الليبية المفتوحة على احتمالات أغلبها سيئة، فإما أن تتفاوض الأطراف الأساسية لتشكيل حكومة ليبية موحدة تنهي الفراغ السياسي الذي طال، وهذا خيار جيد. وإما أن يتم انتظار أن تحسم الحرب أمر طرابلس وما حولها من خلال تقدم قوات الجيش الوطني الليبي لانتزاع العاصمة من قبضة الجماعات الموالية لتركيا وقطر، وإما أن يبقى الوضع عالقاً مما يتيح لمجموعات متطرفة السيطرة على قطاعات جغرافية واحتكار ثرواتها، وبالتالي تمويل الإرهاب وجماعاته على نطاق واسع قد يشمل ما يتجاوز ليبيا إلى مربع أوسع.

أما بالنسبة لليمن فإن تنظيم القاعدة فيها يعتبر من أنشط الفروع، ولديه خلايا متنافسة، بعضها كان نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح يحركها استخباراتياً لتهديد الغرب، من أجل الحصول على مساعدات مالية كانت تتبخر ولم تضمن تأمين الملاحة وإيجاد آلية محلية ناجحة لمكافحة الإرهاب. وحتى الآن لم يتم وضع حد للعلاقة التي يقال أنها تربط فعلياً بين رموز عسكرية ودينية يمنية بعناصر الإرهاب ممثلة بفرع القاعدة في اليمن وخلايا العائدين من أفغانستان، وهذا ملف خطير وغامض جرى التلاعب به، وهناك معلومات تكررت في تحقيقات إعلامية تتحدث عن دور للجنرال علي محسن الأحمر المقرب من حزب الإصلاح الإخواني والمتهم بالتعاون مع العناصر المتطرفة منذ ثلاثة عقود، وتحديدا منذ عودة ما يعرف بالمجاهدين الذي قاتلوا وتدربوا في أفغانستان، ولليمن نصيب لا بأس به منهم.

كما لعب تنظيم الإصلاح الذي يمثل رأس حربة جماعة الإخوان في اليمن دوراً في تشكيل الحاضنة التنظيمية والجناح السياسي للإرهابيين. ويضم الإصلاح في داخله عناصر متشددة يتقاسم معها الأطماع والمناصب ومخططات السيطرة. وكانت اليمن قد حصلت بالفعل على معونات لمحاربة الإرهاب، لكن عدم الاستقرار السياسي كان ولا يزال يمثل بيئة حاضنة لخلايا الإرهاب بكثافة. بالإضافة إلى ذلك سبق أن سيطرت خلايا القاعدة فعلياً أكثر من مرة على محافظات ومناطق يمنية، وبالتحديد في الجنوب. وكلما وجد التنظيم فرصة للإعلان عن النفوذ وبسط السيطرة بالقوة لا يتوانى عن استغلالها. ولا ننسى أن قاعدة اليمن اندمجت مع خلايا قاعدية هاربة من السعودية، وشكلت بعد اندماجها ما يسمى بتنظيم القاعدة في جزيرة العرب. وهو التنظيم الذي تضعه الولايات المتحدة الأميركية على لائحة أعتى وأخطر فروع القاعدة، وخاصة أن العمليات التي نفذها انطلاقاً من اليمن ليست سهلة، على مستوى استقطاب العناصر وتطوير وصناعة متفجرات يصعب اكتشافها.

وخلال الانهيارات الأمنية المستمرة منذ سقوط نظام صالح عام 2011 مروراً بانقلاب الحوثيين، كان الاهتمام الدولي الأكثر بروزاً يتمثل في المخاوف من انتشار وسيطرة عناصر القاعدة على المحافظات الجنوبية التي يضعف تواجد الأمن فيها، وخاصة أبين وشبوة وحضرموت. وفي فترات متقطعة تحقق جزء من هذه المخاوف عندما سيطر تنظيم أنصار الشريعة على أجزاء من حضرموت، في ظل عجز الحكومة )الشرعية) اليمنية التي لم تتمكن من دحر انقلاب الحوثيين على الأرض، رغم جهود التحالف العربي المكثفة لدعم الشرعية، وخاصة الجهد الإماراتي الذي أدى إلى تحرير كامل محافظات الجنوب بالإضافة إلى محافظة مأرب.

ويمكن الحديث عن المخاطر المستقبلية التي تفرض نفسها، إذا ما استمر الوضع الهش والضعيف للحكومة الشرعية المخترقة من قبل تنظيم الإخوان، إذ من المتوقع أن تحدث انتكاسات أمنية، وخاصة في المناطق التي تحررت من الحوثيين، حيث أنها الأكثر عرضة للاختراقات من قبل التنظيمات المتطرفة، في حال استمرار الفوضى التي يتسبب فيها حزب الإصلاح من داخل صفوف الشرعية، بعد أن زرع عناصره في هياكل الشرعية اليمنية وداخل الجيش والأمن وأغلب المؤسسات.

وبناء على ما سبق، فإن الإشكالية الآن في ليبيا واليمن، كما هي في أي بلد آخر يعاني من انعدام الاستقرار وسيطرة الهشاشة الأمنية، تكمن في صعوبة جمع الفرقاء، نظراً لارتباطات إقليمية تتحكم بخيارات بعض الأطراف عن بعد، بينما المطلوب وبشكل عاجل الانتقال من لغة السلاح واقتصاد الحرب إلى لغة الحوار والسلام، وبناء أجهزة رسمية قوية، تفرض سيطرتها وسلطتها القانونية على الأرض، لينتهي العبث وتعود الحياة إلى طبيعتها. وذلك هو الحل الوحيد للجم الإرهاب وقطع الطريق أمام استغلال تنظيماته للفراغ الأمني.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

2 سبتمبر 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق