مخاطر تعليق الملفات الساخنة في الشرق الأوسط

تواجه منطقة الشرق الأوسط مجموعة من الملفات الساخنة والعالقة، التي تم الإبقاء عليها من دون حل جذري، يحد من تداعياتها المستقبلية. ومع مرور الوقت تتفجر قضايا وإشكاليات أخرى إضافية، لتندرج ضمن ما سبقها من ملفات، تنعكس آثارها بصورة سلبية على الأمن والاستقرار والتنمية، وعلى حظوظ الأجيال القادمة ونصيبها من العيش في ازدهار ورفاهية وأمان اجتماعي واقتصادي.

حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي، كان الملف الفلسطيني هو الوحيد الذي يحتل الأولوية والأسبقية، على صعيد الإعلام والسياسة واللقاءات والقمم. وكانت تضاف إلى الشأن الفلسطيني موضوعات وقضايا قليلة قابلة للمعالجة. وخاصة بعد توقف الحرب العراقية الإيرانية، التي اندلعت خلال الفترة ما بين سبتمبر 1980 وأغسطس 1988. ثم شهدت المنطقة الغزو العراقي للكويت بين أغسطس 1990 وأواخر فبراير 1991. وجاءت بعد ذلك حرب الخليج الثالثة التي مهدت للغزو الأميركي للعراق عام 2003.

ولكل إشكالية أو حرب تداعيات طويلة الأجل، ولا أحد باستطاعته التنبؤ بشكل دقيق بالنتائج السلبية للأحداث المفصلية أو الاضطرابات. وقد رأينا كيف أثرت حرب أفغانستان على المنطقة بل وعلى العالم بأسره، عندما أنتجت آلاف الإرهابيين. وحتى الآن لا تزال الحرب على الإرهاب مستمرة، وسوف تظل قائمة، بعد أن انتشرت الخلايا الإرهابية، ابتداء بخلايا “القاعدة” ثم مجموعات تنظيم ما يسمى بـ “داعش”. والأخطر من ذلك أن هذه التكوينات المتطرفة أنتجت أدبيات وقواعد وآلية للانتشار التنظيمي والأيديولوجي. وساهم الإنترنت بشكل خطير في استقطاب جنسيات متعددة، حتى صار الإرهاب ظاهرة عالمية، وإن كان محسوباً للأسف على العالم الإسلامي.

لقد حدثت تعقيدات صعبة ولا نهاية لها عقب الاحتلال الأميركي للعراق. كما تسللت إيران بسهولة عبر أدواتها الطائفية من أجل العبث بالمشهد العراقي، وتحويل الساحة العراقية إلى حديقة خلفية لإيران، تتحكم بتفاصيل كثيرة فيها، حيث تشتري الولاءات بسهولة، مدعومة بخلفية مذهبية لدى النخب السياسية التي تهتم بالحفاظ على شعبيتها، وبالتالي ترضي الطرف الإقليمي الأكثر تأثيراً وتصبح تابعة مطيعة. لذلك قامت إيران بالعمل على تفعيل الحس الطائفي المذهبي في العراق وسوريا، ومنحت ذلك المزاج الديني الشعبوي جرعات إضافية من أيديولوجيا التعصب.

في النهاية تخطط إيران وتعمل على أن يبقى العراق بيئة صديقة لها، بحيث ينقذها اقتصادياً، في ظل العقوبات التي تتعرض لها. ولكي تخرج بمكاسب لم تكن تحلم بها من العراق، أصبحت تبيع للعراقيين كل شيء، من الخرافات ومواسم اللطم والبكائيات وإسالة الدماء بأساليب ماسوشية، إلى بيع الطاقة الكهربائية، رغم أن العراق دولة نفطية، لكن الإبقاء على أزماته مستدامة أصبح أحد أهداف إيران، لأنها تستفيد من وجود حكومات ونخب عراقية موالية لنظام الملالي في طهران.

وبالمثل لا يزال المشهد في سوريا يشكل بيئة خصبة ومثالية للتطفل الإيراني والنفوذ المبالغ فيه، بحيث أصبح الوجود الإيراني في سوريا يستغل الفوضى ليخلق لنفسه جذوراً، من خلال الارتباط العضوي بالنظام، ثم من خلال الاستيطان الإيراني ونشر التشيع على نطاق واسع.

 كما أن الساحة السورية لا تزال جاذبة كذلك لأصحاب الميول الإرهابية. وكلما طال الوقت واستمرت الفوضى هنا وهناك، تظهر مجموعات متطرفة لملء الفراغ، أو تدخلات خارجية تدعم الفوضى والتطرف، كما تفعل تركيا من جانبها في سوريا وليبيا، وكما تفعل إيران في سوريا ولبنان واليمن، بالإضافة إلى سعيها للتخريب وصناعة نفوذ في أقطار أخرى، سواء بشكل مباشر أو عبر وكلاء محليين.

من هنا تتأكد خطورة بقاء الملفات الساخنة في المنطقة عالقة، لأن هناك من يترصد دائماً لملء الفراغ، سواء المجموعات والتنظيمات الإرهابية، أو الدول التي لا تقوم مصالحها إلا على أنقاض الحروب وتفكيك الأنظمة والمجتمعات. ويتطلب إنهاء العديد من النزاعات والانهيارات الحاصلة إرادة ومساعٍ جادة، وخاصة من قبل المجتمع الدولي، لأن مؤشرات تعاطي مجلس الأمن والمبعوثين الذين ترسلهم الأمم المتحدة إلى مناطق النزاع، لا تدل في كثير من الأحيان على نوايا حسنة، كما لا تؤدي إلى المساعدة في حل القضايا العالقة، وما أكثرها!.

 

مركز المزماة للدراسات والبحوث

25 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق