مدى تأثير الحراك العراقي واللبناني في أفول النظام الإيراني

أضافت المستجدات على ساحات الحراك العربي المناهض لإيران في العراق ولبنان، تحديا آخرا إلى قائمة التحديات الجسام الداخلية والخارجية التي يواجهها النظام الإيراني في الوقت الحالي، والذي يراقب بقلق شديد المظاهرات العراقية واللبنانية المناوئة للتدخلات الإيرانية، وهو يرى زوال نفوذه الذي أنفق عليها مئات المليارات من أموال الشعوب الإيرانية، وسط تهديد واضح لسياسات إيران الخارجية التي يقرها بيت المرشد والحرس الثوري.

وفي الحقيقة، بدأ صناع القرار في إيران يدركون أن تواجدهم ونفوذهم في المنطقة يسير نحو الأفول، ولا أمل في إعادة إحيائه وسط غضب شعبي وتظاهرات جماهيرية منددة بالتدخلات الإيرانية، ولن تنطفئ شعلتها حتى تجتث المشروع الإيراني من البلاد، وتنهي كافة تدخلات طهران، وهو أكثر ما يخافه النظام الإيراني في الوقت الحالي، ويضعه في مأزق تاريخي داخليا وخارجيا.

فداخليا، فإن خسارة فريق روحاني للاتفاق النووي، وفشل سياساته في التفاوض مع القوى الغربية، وعجز الحكومة الإيرانية في الوفاء بوعودها، سيكون أمرا بسيطا وهامشيا أمام فشل فرعي التيار المتشدد: الحرس الثوري وبيت المرشد في السياسة الخارجية لإيران، وعجزه عن الحفاظ على النفوذ الإيراني في الساحات العربية والذي كلف البلاد مئات المليارات من أموال الشعب وخزينة الدولة، وسيضع النظام الإيراني أمام مأزق الرأي العام المحلي حول الجدوى من هدر هذه المليارات ونتائج السياسات الخارجية والتدخلات في شؤون دول الغير ودعم وتمويل الأذرع الإيرانية في الدول العربية، وهو ما سيقود إلى معادلة الخاسر مقابل الخاسر بين حكومة روحاني والحرس الثوري أمام الرأي العام الإيراني، وهو ما يعطي دفعة للتيار المتشدد والحرس الثوري بابتكار أساليب ومخططات قمعية وإرهابية تحول دون زوال النفوذ الإيراني من هذه المناطق، كتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف دول المنطقة وخاصة الخليجية وإعداد قائمة اغتيالات لشخصيات سياسية وأمنية وعسكرية مناوئة للنفوذ الإيراني، ومحاولة ضرب السفارات العربية في العراق ولبنان ودفع حزب الله في لبنان والميليشيات الطائفية في العراق إلى تنفيذ أنشطة إرهابية ضد مصالح دول إقليمية وعالمية، ونشر قوات إيرانية أو تابعة لإيران في العراق ولبنان لقمع المتظاهرين بأساليب داعشية لترويع المتظاهرين وإجبارهم على التراجع ووقف الحراك المناهض لإيران.

هذا الحراك العربي جاء كردة فعل جماهيرية على تهديدات المرشد الإيراني علي خامنئي باستخدام نفوذ بلاده في المنطقة، كأداة لمواجهة الضغوطات السياسية والدولية، إذ هدد بشكل واضح خلال لقائه مع قادة الحرس مطلع شهر أكتوبر الماضي، باستخدام نفوذه وأذرعه في المنطقة كوسيلة مواجهة الضغوطات الدولية، ونقل المعركة إلى ساحات ثقل إيرانية، وأصدر أمرا واضحا بأن تكون المرحلة المقبلة على عاتق الحرس الثوري وذراعه الخارجي فيلق القدس، وذلك عبر سياسة توسيع التواجد الإيراني خارج الحدود، ونقل معارك الصراع بين إيران والمجتمع الدولي إلى الساحة العراقية واللبنانية واليمنية، وعقب هذه الأوامر والتهديدات، سلطت الأوساط الإيرانية السياسية والإعلامية الأضواء بكثافة على رجل المهمات الخارجية في الحرس الثوري، والذراع الخارجي للنظام الإيراني قائد فيلق القدس قاسم سليماني عبر لقاء إعلامي هو الأول من نوعه تمحور حول دور إيران في مواجهة العدو، ثم نشر خبر إحباط محاولة اغتياله.

لقد أثقلت العقوبات والضغوطات الاقتصادية والسياسية كاهل النظام الإيراني، لا سيما بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وتكثيف العقوبات التي شددت الخناق على طهران، ما جعل النظام الإيراني يشهر سلاحا آخرا لمواجهة هذه العقوبات والضغوطات الدولية، وتوجيه بوصلة سياساته الخارجية نحو دول وشعوب المنطقة لاستخدامها كنقاط ثقل وساحة للصراعات مع المجتمع الدولي، لكن الحراك الشعبي العربي جاء ليربك مخططات وموازين السياسة الإيرانية ورهاناتها على نقاط الثقل في الخارج، فإذا نجح هذا الحراك المناهض لإيران في لبنان والعراق، سيضع النظام الإيراني أمام تهديد خطير على صعيد قاعدته الشعبية في الداخل ونفوذه في الخارج، ما يعني أن نجاح هذا الحراك في طرد المكونات الإيرانية من العراق ولبنان سيكون بمثابة هزيمة قوية للنظام الإيراني ستفقده أكثر من نصف قوته بكافة أشكالها وصورها.

إن ما يجري الآن من تطورات في العراق وإيران، أثر بشكل كبير على الداخل الإيراني ومسار العملية الانتخابية البرلمانية الإيرانية المقبلة في فبراير 2020، حيث كان المشهد يسير لصالح المحافظين، وسط ترجيح مقاطعة جمهور التيار الإصلاحي للانتخابات لما مني به من إخفاقات خلال الدورة الثانية لحكومة روحاني، فلا وعود تحققت ولا أوضاع اقتصادية ومعيشية يعول عليها، فيما يشهد الشارع المحافظ بالمقابل خطوات جادة لكسب المعركة الانتخابية المقبلة والعودة إلى مقاعد السلطة التنفيذية، لكن مفاجأة الحراك العربي المناهض للمشروع الإيراني الإقليمي، جاءت لتغير موازين التنافس الانتخابي وتعيد إحياء معنويات التيار الإصلاحي لما يحمله هذا الحراك من خسائر كبيرة تقع على عاتق التيار الأصولي والحرس الثوري، لا سيما وأن العديد من المحللين بدؤوا يلوحون بفشل سياسة المحافظين والحرس الثوري الإقليمية وإنفاق الأموال بلا جدوى على الحروب في المنطقة دون أي إيرادات أو نتائج إيجابية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

5 نوفمبر 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق