الإسلام السياسي

مراجعات الإخوان المزعومة والاعتراف المخادع بالأخطاء

سواء اعترف إخوان مصر بأخطاء الجماعة أم لم يعترفوا، تبقى جماعة الإخوان منذ نشأتها بؤرة لتصدير وتعميق سوء الفهم بين السياسة والدين، ما أدى إلى بروز توصيف مهيمن يدمغ نشاط الإخوان، بالتركيز على قضية المتاجرة بالدين وتوظيفه سياسياً. إضافة إلى عدم استبعاد تاريخ الإخوان الذي أنتج تراكمات تحسب عليهم، وتكشف عن فقر وركاكة مشروعهم، وعدم قابليته للحياة والتعايش مع التيارات الأخرى، ضمن بيئة سياسية مستقرة، أو ضمن بيئة تعتمد آليات علمانية للتفاعلات السياسية والثقافية في المجتمع. فتاريخ الإخوان بمحطاته القديمة والجديدة لا يخلو من صناعة واستخدام أذرع عسكرية همجية تعبر عن رفض الاختلاف والتنوع. وكانت تتبع التنظيم بشكل مباشر. وأيضاً هناك التفريخ الذي أنتج مجموعات إرهابية تعددت مسمياتها، وكلها خرجت من معطف الإخوان، سواء بإرادة منهم أو من دون إرادة، لا فرق، المهم انهم كانوا الحاضنة التنظيمية والأيديولوجية الأولى للمنشقين.

أسهم مفهوم الطاعة العمياء لدى الإخوان في إرساء تربية تنظيمية صارمة، أدت في بعض المراحل إلى إعداد العناصر الإرهابية، وتصدير الأفكار الحادة والقطعية الداعية إلى ضرورة اقتران ممارسة العمل السياسي بمرجعية دينية منغلقة. فأسس الإخوان – من خلال اعتماد رتبة ووظيفة المرشد الروحي – ما يجعلهم يتشابهون مع الشيعة الإثناعشرية. في المقابل اختار نظام ما بعد الثورة في إيران صيغة الولي الفقيه، ومنحه أيضاً لقب المرشد، في تأثر واضح وتقاطع مع الإخوان.

وبالعودة إلى موضوع المراجعات المزعومة، وعند الحديث عن المراجعات الموسمية المخادعة، التي تصدر عن الإخوان، وغالباً ما تصدر تحت ضغط الفشل والتشظي والانقسام. نرى كما يرى متابعون ومحللون أنها مراجعات زائفة وغير جادة، ولا يمكن التعويل عليها، كما لا يمكن اعتبارها محطات مفصلية، يترتب عليها تغيير في سلوك الجماعة وجوهر خطابها ومشروعها.

قبل أيام أشارت وسائل إعلام إلى صدور بيان مراجعات واعترافات من قبل الإخوان، وبالتحديد عن الفرع المصري المنقسم داخل مصر وخارجها. وكلما صدر بيان جديد باسم إخوان مصر، يحتاج القارئ إلى التأكد من تبعيته، لأن الهاربين في الخارج لم يعودوا تنظيماً واحداً، بعد أن اختلفوا بشأن توقيت تفعيل الانحياز الكلي والمباشر لممارسة العنف والتفخيخ والإرهاب. إذ يرى فريق بضرورة التأجيل والتريث والانكفاء للإعداد والتجهيز وترتيب الصفوف. بينما باشر الفريق الثاني بممارسة العنف والإرهاب في الشارع المصري، وتحديداً في سيناء. بمعنى أن الفريقان متفقان من حيث المبدأ على انتهاج خيار العنف، لكن خلافهما يتمحور فقط حول التوقيت والاستعداد.

وكما أسلفنا، كلما وقع الإخوان في مأزق أو تعرضوا لمحطة فشل جديدة، يتجهون إلى الإعلان عن القيام بمراجعات، وغالباً ما تأتي من القمة التي تقرر كل شيء. وبالتالي عندما يكون أساس فكرة نشوء التنظيم الإخواني قائم على الصدام مع المجتمعات والدول، لا تفيد المراجعات، بقدر ما تكشف عن تهيئة الإخوان عناصرهم استعداداً لمرحلة جديدة من الصدام والفوضى، وتعبيراً عن رغبتهم في الاستئثار بكل شيء، بما في ذلك السيطرة على المجتمع وتوجيه حالات التذمر والفقر والبطالة لخدمة التنظيم، في إطار متاجرته الشاملة بكل ما يفتح له أبوب وفرص التمكين.

في البيان الإخواني الأخير الصادر يوم السبت 29 يونيو 2019م، يستهل سطوره الأولى بالاعتماد على المحفزات العاطفية المأمولة من واقعة وفاة محمد مرسي، في استثمار واضح لوفاته من قبل من وضعوه على كرسي الرئاسة لخدمة التنظيم، رغم أنه شخصية هامشية داخل الإخوان.

وبعد أن سرد الإخوان في بيانهم بكائياتهم المعتادة، وعقب الإشارة إلى مظلوميتهم المزعومة، كرروا التحريض بمفردات مباشرة ضد الجيش المصري، بالحديث عما أسموها في أحد بنود البيان “استراتيجية النضال.. “، وبعد ذلك يأتي من يقول إن الإخوان أصدروا بياناً يتضمن مراجعات!

ومن الغريب أن تتضمن المراجعات المزعومة استراتيجية للعنف! حيث أشار البيان صراحة إلى (أطر وأشكال النضال) الثوري والعسكري، واختارت المراجعة الجديدة الشكل الثوري الفضفاض، من دون توضيح آلياته. والدليل على أن البيان لا يتضمن أي تغيير في نهج الإخوان، أنه وضع على قائمة الأهداف القادمة للتنظيم، ما ذكره البيان حرفياً بتحرير السجناء! وللإخوان تجارب سابقة في تهريب المجرمين من السجون، وبالتحديد خلال مرحلة الانفلات الأمني عقب سقوط نظام مبارك. وبالتالي فنحن لسنا أمام مراجعات إيجابية داخل الإخوان، بل أمام مراجعة التنظيم لاستراتيجية العنف، ومحاولة ردم الهوة التي حدثت بين الجناح الإرهابي المكشوف، وبين الجناح الإرهابي المستتر، أو المرتبك الذي يقترح المزيد من الاستعداد للعنف، لكنه لا يرفضه كشكل من أشكال النضال من حيث المبدأ، إنما يغلفه بتسمية أخرى عندما يصفه بالنضال (الثوري).

أما الهدف الثاني لبيان المراجعات الوهمية، فيركز فيه الإخوان على غاية تحتل أولوية قصوى لديهم في ظل الانقسام الكبير والخطير في صفوفهم، حيث جعلوا توحيد المعسكر الإخواني ونبذ الخلاف هدفاً يصعب تحقيقه بناء على المعطيات التي ترسخت في الوقع حتى الآن.

ثم يورد البيان الإشارة الوحيدة إلى المراجعات المتناقضة مع مطلع البيان ومقدمته، فيتحدث في الخاتمة بنفاق وادعاء واضح عن قيام التنظيم “بمراجعات داخلية متعددة”، واعترف بارتكاب أخطاء قام بها “في مرحلة الثورة ومرحلة الحكم”، إلى جانب “أخطاء وقع فيها الحلفاء والمنافسون”، وختم بالإعلان ضمنياً عن التنازل الوحيد الذي تقول الجماعة الإخوانية أنها مستعدة له، وهو دعم التحاق وانتشار الإخوان في الأحزاب الأخرى!

وبذلك يمكن تقييم مراجعة الإخوان للأخطاء بأنها عملية تمسك بالأخطاء ذاتها، وأن الجديد في النهج الإخواني يتمثل في الشعور بالندم، لأنهم لم يسمحوا لبقية حركات وفصائل الإسلام السياسي بمساعدتهم، والتعاون معهم في سبيل الاستحواذ على الحكم في مصر، وإحاطته بقبضة حديدية، تتكون من تيارات إرهابية مساندة للإخوان! بمعنى أن القارئ للبيان لا يجد سوى شعور الإخوان المسلمين بالذنب تجاه السلفيين، لأنهم لم يمنحوهم فرصة ولم يسمحوا لهم بالحصول على نصيب من كعكة الحكم في عهد مرسي. فأين المراجعات المزعومة؟

مركز المزماة للدراسات والبحوث

3 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق