شؤون دوليةفيروس كورونا
أخر الأخبار

مستقبل الاتحاد الأوروبي في مرحلة ما بعد كورونا

 

تبدو الأولوية الإنسانية اليوم متجهة نحو كبح جماع تفشي فيروس “كورونا” والحد من انتشاره، بغض النظر عما بعده من مآلات اقتصادية. لا بل يبقى الحديث عن (الما بعد) جالباً لإيحاءات بالكثير من الأمل، المحمول على تجارب البشر في تجاوز الكوارث والمحن الكونية الكبرى، مثل الحروب والأوبئة التي مرت، وما أكثرها.

في هذا الإطار يأتي الحديث عن مستقبل الاتحاد الأوروبي في مرحلة ما بعد “كورونا”. والتساؤل حول مصير التكتل الأوروبي أكثر من غيره، يتضمن الجزم بكونه التكتل الأهم من النواحي السياسية والاقتصادية و(العولمية) الراهنة. مما يعزز من مشروعية وأولوية التساؤل بشأن مستقبل أوروبا تحت هذا الهاجس.

وبعيداً عن الإحصائيات المتجددة في كل دقيقة بشأن أعداد المصابين بالفيروس والوفيات الناجمة عنه، بات معلوماً أن Covid-19 يحصد الكثير من الأرواح في أوروبا وخارج أوروبا، التي أعلنت دولها استدعاء الجيوش للمساعدة في مواجهة التداعيات الناجمة عن انتشار هذا الفيروس القاتل.

وبعيداً كذلك عن المخاوف من طول أمد فترة التفشي وعدم ظهور مؤشرات للسيطرة على الوباء، لم يعد أمام الدول الأوروبية، وغير الأوروبية بالطبع، سوى مواصلة اتخاذ إجراءات وقائية وحمائية متعددة الأشكال، أهمها العمل بكافة إجراءات السلامة التي نصحت بها منظمة الصحة العالمية، وإجراءات أخرى قاسية وضعت البشر في دول عديدة رهن الحجر الصحي، ومع ذلك مازال الفيروس ينتشر، مما يستدعي بذل المزيد من الجهود الحمائية.

وأمام ضغوط مكافحة الفيروس ومؤشرات البطء في كبح جماحه، ظهرت بوادر خلافات أوروبية، أسفرت عن تهديد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإغلاق حدود بلاده مع بريطانيا، إذا ما تقاعست عن اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لاحتواء تفشي الفيروس.

بينما أعلنت ألمانيا قرار الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بالإجماع حظر دخول الأفراد المنتمين إلى دول من خارج التكتل لمدة شهر.

وفي جنوب أوروبا وتحديدا في إيطاليا، أكبر بؤرة أوروبية (وربما عالمية) لوباء “كورونا”، بدا العالم مصدوما من وصول إيطاليا إلى أعلى حصيلة للوفيات الناجمة عن فيروس كورونا المستجد، رغم التفسيرات التي أدت إلى انتشاره ولم تقنع العلماء، ومنها ظهور الأعراض الشديدة للفيروس لدى مسني إيطاليا ومرضى السكر والقلب والذين يعتبرون السكان الأكثر تقدما في السن على مستوى أوروبا.

ويرجح محللون بأن العوامل السابقة لم تكن سببا رئيسيا ووحيداً، على اعتبار أن الفيروس ظهر منتشرا في منطقة لومبارديا، بؤرة الوباء، من دون إجراءات تحد من انتشاره، خاصة في البداية. بالإضافة إلى النهج الذي سارت عليه إيطاليا واختلف عن بقية دول أوروبا، وتمثل في الاكتفاء بكشف الإصابات فقط، إذ تعتبر الحكومة أن الفحوص يجب أن تُجرى “فقط للأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض”.

وفيما فقدت النرويج السيطرة كانت ألمانيا الأسرع في الاستجابة لمكافحة الوباء، اذ وظفت كل إمكانياتها، بما في ذلك الجيش الألماني الذي بدأ بتقديم مساعدات طوارئ إلى منطقة هاينسبرغ التي تضررت على نحو خاص من الفيروس المستجد. 

  كما تضررت هولندا هي الأخرى نتيجة القرب من منطقة هاينسبرغ الألمانية، بؤرة الوباء. 

مصير الاتحاد الأوروبي

شهدت أوروبا منذ شروعها عام 1950 في تأسيس الاتحاد الأوروبي بفروعه وامتداداته الاقتصادية والسياسية وحتى اللحظة تحديات كبرى خلال الـ70 عاما، من معاهدة روما إلى نكبة “بريكست”، مرورا بأحداث منطقة اليورو إلى أزمة الهجرة وأزمة الديون في اليونان التي أدت إلى سقوط رؤساء حكومات أوروبية، لكن تحدي وباء كورونا يعتبر الأقوى تأثيراً والأكثر تدميراً منذ الحرب العالمية الثانية.

إن مصير الاتحاد الأوروبي نتيجة الخسائر التي منيت بها دوله على المحك، وبحسب ترجمة تعليق لروبن نيبليت، الرئيس والمدير التنفيذي للمعهد الملكي للشؤون الدولية، فقد أجبر تفشي “كورونا” حكومات وشركات دول أوروبا “على تعزيز قدرتها على التعامل مع فترات طويلة من العزلة الاقتصادية الذاتية” ما يعني أضرارا اقتصادية تشمل دول العالم بأسره في كساد اقتصادي قد يطول بطول انتشار الفيروس.

لقد أغلقت أوروبا جل مصانعها، أما إيطاليا فأغلقت كل مصانعها وكل الإنتاج غير الضروري تماماً وتوقفت رحلات الطيران وخاصة الطيران البريطاني الذي يمثل عصب اقتصاد المملكة المتحدة، وباتت أوروبا خالية الشوارع مغلقة المحلات وتتخذ المزيد من الإجراءات الوقائية الحازمة.

خسائر الاتحاد الأوروبي بفعل كورونا

تمثل أوروبا ثالث أكبر قوة اقتصادية في العالم، ووفقا لوكالة أونكتاد (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية)، فإن دول الاتحاد الأوروبي تعتبر الأكثر تعرضا للخسائر، إذ توقعت أن تبلغ خسائرها حوالي 15.6 مليار دولار.

وفي محاولات لتضميد جراح كورونا صادق الاتحاد الأوروبي على مقترح فرنسي بخطة لتأمين 300 مليار كقروض للشركات، وأعلن البنك المركزي الأوروبي عن برنامج تحفيز ضخم سوف يسمح للدول في منطقة اليورو بإنفاق 750 مليار يورو للتعامل مع تأثير الفيروس. وهذا المبلغ من صندوق تم إنشاؤه في ذروة أزمة الديون السيادية في العقد الماضي لإنقاذ الدول.

 

مستقبل الاتحاد الأوروبي

يتوقع الخبراء أن يعم الكساد الاقتصادي أوروبا ويشمل كذلك العالم. ومما سوف يطيل من أمد الكساد الاقتصادي الأوروبي استعادة الصين لعجلتها الاقتصادية عقب تعافيها من الفيروس، حتى وإن تمكنت أوروبا من الخروج من حالة الكساد بتشغيل المصانع واستعادة حركة السياحة إلى طبيعتها، فهي ستحتاج إلى سنوات لمعالجة خسائرها الاقتصادية واستعادة صندوقها الذي أنفقت مدخراته على مكافحه الوباء.

فيما تشير الحصيلة الأولية إلى 15 مليار دولار كخسائر متوقعة، تتطلب مواجهة آثارها إنفاق 300 مليار دولار لتحفيز منطقة اليورو، و750 مليار دولار للتعامل مع تأثير الفيروس. والسؤال هو من أين ستعوض دول أوروبا هذه المبالغ؟

أحد الأجوبة يتوقع عودة سيناريو تسلط أوروبي جديد على موارد افريقيا وآسيا، وفي أحسن الأحوال حدوث منافسة شرسة بين الصين وأوروبا على التجارة والمواد الخام والنفوذ بصورة عامة في دول آسيا وأفريقيا، حيث الموارد الأقل كلفة وأسواق الاستهلاك التي تبتلع كل ما تنتجه مصانع الشرق والغرب.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى