دراسات

نتائج سياسات طهران الخارجية على القطاعات الداخلية

مقدمة:

أثرت السياسة الخارجية لإيران بشكل مباشر على الأوضاع الداخلية الاجتماعية والتنموية بصورة سلبية للغاية، عطلت مسيرة عجلة التنمية في جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلاد، وزادت من نسبة المشاكل الاجتماعية وانتشار الجرائم والأمراض، إذ أدت الأخطاء السياسية التي ارتكبها النظام الإيراني الحالي في سلوكياته الإقليمية والعالمية إلى فرض عقوبات دولية على إيران وزيادة عزلتها إقليميا ودوليا، وهو ما جر طهران إلى أزمات اقتصادية ومالية أضعفت ميزانيتها وانفاقها المطلوب داخليا على المشاريع الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، فإصرار إيران على برنامجها النووي المثير للجدل وسعيها للوصول إلى قنبلة نووية تهدد بها العالم، بالإضافة إلى استمرارية النظام الإيراني في تدخلاته الخارجية، ودعم الجماعات المؤتمرة بأمره بالمال والسلاح والعتاد، وإنفاق المليارات من أجل أوهام تصدير الثورة، اضافة إلى خلق عداءات مع الكثير من الدول، كان له تأثيره السلبي المباشر في خزينة الدولة، ما أضطر إلى خفض الإنفاق المحلي وتحجيم المخصصات المالية المقررة لقطاعات الدولة ومؤسساتها التنموية والتطويرية.

عجز خزينة الدولة بسبب التدخلات الخارجية يلقي بظلاله على القطاعات التنموية:

وبعد تعرض خزينة الدولة الإيرانية إلى العجز بسبب العقوبات والعزلة التي سببتها سياسات طهران الخاطئة، عملت الحكومات الإيرانية على تقليص حجم الإنفاق والمخصصات المالية لكثير من القطاعات، كما رفعت الدعم الحكومي عن العديد من السلع والمواد، بغاية التخفيف على الميزانية، الأمر الذي أدى إلى تدني مستوى الخدمات في البلاد وضعف التنمية والتطوير وظهور العديد من المشاكل والخسائر وارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم، إذ انتهج النظام الإيراني الحالي منذ اعتلائه سدة الحكم سياسة المحافظة على ديمومته وبقاءه بأي ثمن كان، منشغلا بتحقيق أهدافه ومساعيه، ومهملا في نفس الوقت لباقي المجالات والقطاعات التنموية، ليقتصر تخطيطه وبرامجه على إطار ضيق يحمي به أركانه وأتباعه ومخططاته المثيرة للجدل، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى إهمال القطاعات الخدماتية والتنموية وعلى رأسها البنية التحتية والطرق والمواصلات والنظام التربوي والتعليمي، وذلك بسبب العجز الذي أصاب خزينة الدولة ونقص المخصصات المالية لتلك القطاعات.

تأثير أخطاء سياسة النظام الإيراني الخارجية على قطاع المواصلات والطرق:

ونلاحظ هذه المشاكل في العديد من القطاعات وخاصة الاجتماعية والخدمية، فبعد تقليص المخصصات المالية لبلديات المدن الإيرانية ومؤسسات التنمية والتطوير مثلا، ضعفت عمليات الإنشاء وصيانة الطرق والمواصلات وتطوير البنية التحتية، ما أدى فعليا إلى تردي حالة الشوراع وظهور مشكلات في الطرق ووسائل المواصلات، وهو ما يفسر زيادة ضحايا حوادث السير في إيران.

 ووفقا للتقارير المعدة من قبل الطب الشرعي الإيراني، فإن أعداد ضحايا حوادث السير في إيران خلال الــ 17 سنة الماضية قد بلغت أكثر من 362 ألف و784 ضحية، منهم 73241 إمرأة، أي أن كل سنة كان 21340 شخص يفقدون أرواحهم في إيران بسبب حوادث السير، وحسب الرواية الحكومية الإيرانية فإن أعداد ضحايا الطرقات في تزايد، وهو ما يؤكد تدني الخدمات المطلوبة لترميم الطرق وصيانة المركبات، والتي تعد حسب الرواية الإيرانية السبب الرئيسي في ارتفاع ضحايا حوادث السير في إيران.

انعكاس الأثر السلبي لسياسات البلاد على القطاع التعليمي:

ويعتبر قطاع التعليم من أكثر القطاعات تضررا في إيران بسبب العقوبات الدولية على البلاد، ويتضح ذلك جليا من تدني المستوى التعليمي بشكل عام في إيران بسبب ضعف المخصصات المالية للمدارس والمؤسسات التعليمية، حتى أعرب العديد من الخبراء والمسؤولين التربويين في إيران عن قلقهم الشديد من تدني مستوى التعليم في البلاد على كافة المستويات، إذ يعاني التعليم المدرسي والجامعي حاليا في إيران من مشاكل عديدة تهدد المسيرة التربوية في البلاد، لأن العجز المادي الذي تواجهه المؤسسات التعليمية، أدى إلى نقص حاد في الفصول الدراسية وعدد المدارس، وضعف الخدمات التكنولوجية وتقنيات التمدرس، علاوة على ذلك فإن المدارس والجامعات الإيرانية تشهد ارتفاعا ملموسا في نسبة الجرائم وانتشار المخدرات.

وأهم مشكلة تربوية تواجهها المدن الإيرانية هي مشكلة نقص المدارس والفصول الدراسية وسوء توزيعها، حتى أصبحت غير قادرة على استيعاب أعداد الطلبة الجدد، وقد نقلت صحيفة “أبرار” اعتراض نائب منطقة “أبوموسى” في المجلس السيد “قاسم جراره” بخصوص عدم قدرة المدارس على استيعاب أعداد الطلاب، وقال: إن ازدياد أعداد الطلبة بالنسبة لأعداد المدارس في بعض المناطق وخاصة بندر عباس أدى إلى خلق المشاكل، وطالب المعنيين النظر بجدية في هذا الموضوع، وللتخفيف من حدة هذه الأزمة، أصبحت العديد من المدارس في إيران تعمل على فترتين، وحسب كلام المسؤولين التربويين في إيران “، فإن هناك 95 ألف مدرسة في إيران تضم 510 آلاف غرفة صفية، وبشكل عام فإن 10% من هذه المدارس والغرف الصفية في إيران تعمل على فترتين بسبب نقص المدارس وارتفاع أعداد الطلاب.

كما تحتاج المؤسسات التعليمية والتربوية في إيران إلى ترميم وإعادة تأهيل، ويبدو ذلك واضحا من تصريحات سابقة لمحافظ طهران “حسين هاشمي” بخصوص وضع المدارس في طهران، والتي قال فيها: إن 50% من مدارس طهران تحتاج إلى ترميم وإعادة تهيئة من جديد، ولدينا قلق من نقص في عدد الفصول الدراسية في العام المقبل، وأضاف أن طهران تتعرض دائما للزلازل، وفيها الآن ما يقارب 13 مليون نسمة، وهناك 50% من مدارسها تحتاج لتجديد، ولا يمكن تصور كم ستكون الخسائر في حالة وقوع زلزال في العاصمة طهران، كما أشار “أحسن علوي” ممثل سنندج وديواندره وكامياران في المجلس إلى وجود 1192 مدرسة غير صالحة للدراسة و1268 مدرسة بحاجة لإعادة تهيئة، وقال إن هذا يعتبر إنذارا للسلطات، ويخلق جوا تعليميا غير آمن، ويستلزم اتخاذ الإجراءات اللازمة، كما تعاني المدارس الإيرانية علاوة على رداءة المباني من قلة الخدمات الأساسية، وهو ما جعل وزير التربية والتعليم يقدم تقريرا عن أوضاع الوزارة قال فيه: أن هنالك ما يقارب 130 ألف حجرة دراسية لا يوجد فيها نظام تدفئة، كما أنه مقابل كل 19 طالب هنالك أستاذ، ومقابل كل 250 طالب يوجد مرشد، ومقابل كل 1670 طالب مدرسة هناك مشرف رعاية صحية واحد فقط، وأشار إلى وجود نقص كبير في الغرف الصفية والمدرسية وإلى وجود ما يقارب 5900 مشروع غير مكتمل في هذه الوزارة

أما المشكلة التي تعد الأخطر على النظام التربوي في إيران، بل وتعتبر تهديدا جديا للنظام التعليمي، هي دخول عالم الإدمان والمخدرات إلى أروقة المدارس والجامعات، وإقحام نسبة عالية من الطلبة في هذا الخطر، وما يشير إلى شدة خطورة هذه المشكلة كلام نائب مدير مكافحة المخدرات “علي رضا جزيني” حول سن الإدمان في إيران، والذي كشف أن سن الإدمان في إيران قد هبط إلى 15 عاما، وأضاف بأن نسبة المدمنين في طلاب المدارس هي 1.6%، ونسبة المدمنين في طلاب الجامعات هي 2.6%، وأشار إلى أن المخدرات في إيران تحولت من ضرر اجتماعي إلى قضية اجتماعية، وأضاف أن 21% من متعاطي المخدرات هم أصحاب شهادات جامعية، بكالوريوس وما فوقها، كما نقلت في وقت سابق وكالة أخبار فارس تصريحات مدير مركز البحوث والتدريب التابع لدائرة مكافحة المخدرات “حميد صرامي” حول انتشار تعاطي المخدرات في الجامعات، والتي قال فيها: إن 50 % من طلاب الجامعات قد قالوا بأنهم يمكن أن يصلوا إلى المخدرات بكل سهولة في الجامعات، وأشار إلى زيادة انتشار تعاطي المخدرات في الجامعات التابعة لوزارة العلوم ووزارة الصحة، وأضاف أن معدلات تعاطي المخدرات في الجامعات التابعة لوزارة العلوم قد ارتفعت بنسبة 2.6%، وفي الجامعات التابعة لوزارة الصحة 1.7%، كما أعلن نائب مدير مكافحة المخدرات “علي رضا جزيني” عن وجود نحو 1% من طلاب المدارس في إيران يتعاطون المخدرات، كما تشير التجارة في المقالات والأطروحات الأكاديمية التي تتم في الجامعات والمعاهد إلى فقر طبقة الأساتذة والمثقفين والمفكرين، وإلى أن الزيادة في أعداد الجامعات والمعاهد تمت على حساب التراجع في جودتها والانحراف عن مسارها المنشود، لأن القطاع التعليمي في إيران، وخاصة التعليم العالي أصبح تجارة وتحول إلى أدوات لكسب المال والسلطة، وما يؤكد هذا ما كشف عنه نائب وزير التربية للتعليم الثانوي “علي زرافشان” حول تزوير مليون شهادة ثانوية في إيران، كما كان وزير التربية والتعليم “علي أصغر فااني” قد تحدث عن هذا الموضوع في السنة الماضية، واعتبر أن العقاب البدني وتزوير الشهادات والفساد المالي لبعض مدراء المدارس هي من أهم المشاكل التي يعاني منها قطاع التربية والتعليم.

إدارة البلاد ترجح أهمية التدخلات الخارجية على قطاع الصحة:

 أما القطاع الصحي في إيران، فقد تعرض بسبب العقوبات الدولية على طهران وعدم اهتمام السلطات الإيرانية به إلى العديد من الصدمات ليصبح في حالة سيئة ألحقت الأضرار بالمواطنين، فهو يعاني من مشاكل في نوعية وكمية الأطباء، وكذلك نقصاً في عدد الخدمات وخاصة في عدد الأجهزة الطبية ومن بينها الأسرة في المستشفيات، وقد قال نائب وزير الصحة الإيراني “محمد هادي إيازي” حول مشكلة نقص الأسرة في المستشفيات الإيرانية: إننا نواجه مشكلة نقص الأسرة في المستشفيات الإيرانية، وهذا النقص يبلغ نحو 60 ألف سرير، ومن أجل حل هذه المشكلة فإننا بحاجة إلى 25 ألف مليار تومان، وأضاف بأن النظام الصحي في إيران على الرغم من كافة الإجراءات الحكومية، مازال يعاني من مشاكل خطيرة.

كما تعاني المستشفيات الإيرانية من تدني الخدمات المطلوبة على مستوى الكفاءة ونوعية المعدات والأجهزة الطبية، إذ أثر الحظر المفروض على إيران في قدرتها على استقطاب وشراء نوعية الأجهزة والمعدات الطبية اللازمة لمواكبة مسيرة الطب عالمياً، وهو ما سبب تدنياً واضحاً في مستوى الخدمات الطبية والعلاجية في المستشفيات الإيرانية، بل وفتح أبواب تهريب هذه المعدات بطرق غير قانونية وبعيداً عن الرقابة الحكومية، وهو ما أكده مساعد وزير الصحة ورئيس هيئة الغذاء والدواء “رسول ديناروند” حين قال: إن هنالك معدات وأجهزة لم نسمح بدخولها إلى الدولة ومع ذلك تستخدم في الأسواق والمستشفيات، وقال: إن وجود مثل هذه المعدات والأجهزة المهربة يعتبر نقطة ضعف في النظام الصحي في إيران، ودعا إلى تشديد الرقابة على عملية استيراد المعدات والأجهزة الطبية إلى الدولة، ومن ناحية أخرى، فقد أثرت العقوبات الاقتصادية على دخول الموظفين حتى طالت طبقة الأطباء، وقد أدت بالإضافة إلى سوء إدارة البلاد، إلى تضخم ورفع الأسعار، وزادت من معاناة الأطباء وخاصة أطباء الأسنان، وهو ما دفعهم إلى خرق وانتهاك القوانين بحثاً عن مردود مالي يعتاشون منه، وفي هذا الشأن، أشار مدير عام التدريب والتعاون العلمي في دائرة الطب الشرعي الإيراني “مسعود قادي باشا” إلى ارتفاع المخالفات والانتهاكات لدى أطباء الأسنان في إيران، وقال: إن المخالفات والانتهاكات في مجال طب الأسنان في إيران ارتفعت خلال الثمانية شهور الماضية بنسبة 15.9%، وقدمت شكاوى في حق 306 طبيب أسنان، حولت هذه الملفات إلى لجنة التحقيق في الطب الشرعي للنظر فيها، وتم محاكمة 170 منهم في هذه الفترة، وتم تبرئة 136 منهم، وأضافت الصحيفة: إن مخالفات طب الأسنان تعد في المرتبة الرابعة بعد مخالفات جراحة النساء والولادة، والجراحة العامة، والأخطر من هذا كله، مشاركة الأطباء عصابات تجارة الأعضاء في جرائم بيع ونقل الأعضاء مقابل مردود مالي.

 الخاتمة:

انعكست الآثار السلبية والنتائج العكسية لسياسات النظام الإيراني الخارجية على قطاعات البلاد التنموية والخدمية بشكل مباشر وبصورة لافتة أدار لها النظام ظهره، وتراكض خلف دعم الميليشيات والجماعات خارج حدود البلاد بمليارات الدولارات حتى أصبحت خزينة الدولة تعاني من عجز مالي حاولت الحكومة سده من خلال تقليص المخصصات المالية للقطاعات الخدماتية والتنموية، وخاصة قطاع الصحة والتعليم والمواصلات، حتى أصبحت هذه القطاعات تعاني من مشاكل كبيرة أبطأت من سرعة عجلة التقدم والازدهار وألحقت بالأفراد والمجتمعات العديد من الأضرار والخسائر المادية والمعنوية.

 مركز المزماة للدراسات والبحوث

6 مارس 2019

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق