هل سيلأم حذف الأصفار جروح اقتصاد إيران؟

في الحقيقة، إن موضوع حذف الأصفار من العملة الوطنية الإيرانية ليس بالموضوع الجديد بالنسبة لطهران، بل طرح مرات عديدة في كل وقت ترتفع فيه أصوات المعاناة الاقتصادية في إيران، ويرجع هذا الموضوع إلى عام 1993، حيث طرح لأول مرة بعد تعرض الاقتصاد الإيراني لأزمات ومشاكل نتيجة سوء إدارة البلاد داخليا وخارجيا، والتي أنتجت بعضها عقوبات اقتصادية مرهقة على طهران، ثم طرح مرة ثانية في عهد الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد في عام 2007، وكان طرحه قوي وصف بالضروري إلا أنه مع مرور الوقت ذهب في طي النسيان، وفي عام 2016 أعاد الخبراء في حكومة روحاني طرحه مرة أخرى كأحد الحلول المتوفرة لدى الحكومة لمعالجة لبعض المشاكل المالية، واستمر بعض المسؤولين والخبراء الإيرانيين يتعلقون بقشة الغريق هذه حتى أقرت حكومة روحاني هذه الخطوة وأعلنت عن مشروع حذف أربعة أصفار من الريال الإيراني والانتقال من الريال إلى التومان كعملة وطنية للبلاد، وأرسلت هذه اللائحة إلى البنك المركزي الإيراني لإقرارها، ولا يزال هذا المشروع قيد الدراسة من قبل اللجنة الاقتصادية في مجلس الشورى الإيراني.

وفقا لهذا القرار، فإن العملة الإيرانية ستعرّف باسم “التومان” بدلا من الريال، وسيصبح التومان الواحد يعادل عشرة آلاف ريال (10000) حالي، ومائة (100) ريال جديد، وسعر الدولار الذي هو الآن نحو 12 ألف تومان، سيصبح بعد الحذف 1.2 تومان، وسيعاد طباعة ما هو متداول من أوراق نقدية في الداخل الإيراني.

هذه الخطوة، أثارت ردود أفعال واسعة على الصعيد الرسمي والشعبي، ما بين معارض وموافق، غير أن الجميع متفق على أن هذه الخطوة لن يكون لها أي تأثير إيجابي في معالجة الأزمات والمشاكل المالية والاقتصادية التي تمر بها إيران، وأنها ليست سوى خطوة شكلية لمنح بعض التفاؤل للاقتصاد المتشائم للبلاد، من حيث أن هذه الخطوة تمنح بعض التسهيلات والأريحية في العلاقات الاقتصادية والتبادلات التجارية وتوفر من تكاليف طباعة العملة النقدية، وهي الأهداف التي أعلنت عنها الحكومة الإيرانية من وراء هذه الخطوة بينما من المفهوم الخاطئ أن تروج الحكومة الإيرانية إلى أن هذه الخطوة من شأنها السيطرة على التضخم وارتفاع الأسعار، لأن عملية حذف الأصفار من العملة الوطنية لا علاقة لها بالتضخم وارتفاع الأسعار، ولن تغير أي شيء في دخل الفرد أو القدرة الشرائية.

هذه الخطوة ستجلب معها العديد من الإجراءات الأخرى، ولن تكون بالأمر السهل، ويرى الخبراء الاقتصاديون أن حذف الأصفار من العملة الوطنية لأي دولة لا يمكن أن يكون له تأثير طويل الأجل، بمعنى آخر أنه قد يكون له تأثير قصير المدى في الفضاء الاقتصادي، ولكن هذا التأثير لن يدوم طويلا، بينما يعتقد بعض الخبراء أن تجربة البلدان المختلفة قد أظهرت أن حذف الأصفار يجعل الحسابات الرياضية سهلة إلى حد ما، لكن شريطة أن تتخذ التدابير الأساسية واللازمة المتعلقة بتخفيض التضخم وتعديل مزاج الانتاج الاقتصادي والعملية التنموية في البلاد.

ولهذا، فإن الوقت غير المناسب لهذا الإجراء مطلقا، لأن الشرط الأساسي للقيام بإجراء حذف الأصفار من العملة الوطنية، هو وجود استقرار نسبي للاقتصاد في البلاد، بمعنى آخر، أن القيام بهذه الخطوة في ظروف اقتصادية سيئة كتلك التي تشهدها إيران حاليا، سيكون لها نتائج سلبية بدلا من الإيجابية، فإيران الآن تعيش في حالة من الاضطرابات والتقلبات الاقتصادية، لذا فإن حذف أربعة أصفار من العملة الوطنية في هذه الحالة قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات ويقود إلى مزيد من الاضطرابات في الأسواق الإيرانية بشكل عام، ورغم أن ذلك قد يجعل الفضاء الاقتصادي أكثر تفاؤلا، إلا أن هذا التفاؤل سيذهب أدراج الرياح بعد فترة زمنية قصيرة، لتبدأ النتائج العكسية لهذه الخطوة تظهر شيئا فشيئا، ولن يكون لها نتائج إيجابية سوى حل مشكلة عدّ أرقام الاختلاسات والفساد الكبيرة التي تورط بها مسؤولو النظام والحكومة، ولن تكون رواتب بعض المسؤولين أرقاما فلكية تثير حفيظة الفقراء والمواطنين العاطلين عن العمل، وستنخفض أرقام الثروات والممتلكات الفلكية لأشباه قارون في إيران، وعلى الأقل ستنخفض أعداد من يحملون صفة الملياردير والمليونير.

وحتى تأتي هذه الخطوة بنتائج إيجابية، فيجب تحقيق عدد من الشروط لتهيئة الظروف والقاعدة الأساسية لتنفيذها على نحو سليم يضمن على الأقل أن لا تأتي بنتائج عكسية، مثل الحصول على الائتمان الدولي، واستعادة هوية العملة الوطنية والثقة بالاقتصاد الوطني، ومراقبة سوق الصرف الأجنبي بطرق وأساليب تتماشى مع تطلعات المستثمرين والتجار، والحصول على نتائج ملموسة في خفض معدلات التضخم، واستقرار سعر الصرف في الأسواق، وهذه الشروط في الوقت الراهن غير متوفرة بأكملها في إيران.

وإذا قامت الحكومة الإيرانية بإزالة الصفر من العملة الوطنية وفشلت في اتخاذ التدابير المذكورة أعلاه لتحسين الوضع الاقتصادي، فلن تكون سياسة حذف الصفر من العملة الوطنية فعالة فحسب، بل قد تكون لها آثار مدمرة على الاقتصاد الإيراني، ولا سيما وأن التخضم في حالة ارتفاع، وصل الآن إلى 40.4%، بينما كان في الشهر الماضي 37.6%، وفي شهر مايو 2019 كان 30.6%، وهذا يعني أنه في منحى صعودي خطير للغاية لا يقبل معه إجراء أي تعديل على العملة الوطنية.

الأهم من ذلك، هو أن العديد من الخبراء لا يوافقون على هذه الخطوة لا سيما أنها ستتخذ في ظل غياب بنية تحتية لها، فهناك كمية كبيرة من الأوراق النقدية المتداولة في أيدي الناس في إيران، يتعين على الحكومة الآن وضع هذا الحجم من الورق جانبا وإعادة طباعة سلسلة من الأوراق النقدية بعد إلغاء الأربعة أصفار، وهذا الأمر سيزيد من التكاليف الإضافية على الاقتصاد الإيراني.

 

مدير مركز المزماة: إبراهيم المقدادي

6 أغسطس 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق