لا يوجد دليل واحد على عدم تورط إيران في استهداف منشآت النفط السعودية

العامل الزمني والأيادي المنفذة والتهديدات المتكررة تثبت أن إيران تقف وراء الهجمات الإرهابية التي استهدفت منشأتين نفطيتين تابعتين لشركة أرامكو في السعودية، ولا يمكن لمسؤولي طهران أن يتملصوا من هذه الجرائم مهما تنطعوا وأنكروا ذلك، فجميع الأدلة السياسية والعسكرية، والمؤشرات الزمنية والمكانية، تثبت تورط فيلق القدس التابع للحرس الثوري وذراع النظام الإيراني الخارجي في استهداف منشآت النفط السعودية، وفي الحقيقة لا يوجد دليل واحد على عدم تورط إيران في استهداف منشآت النفط السعودية.

في ليلة الجمعة، أي قبل وقوع هذا العمل الإرهابي بساعات فقط، كان كل من يشارك المرشد الإيراني الأعلى “علي خامنئي” في مجلس العزاء في حسينية الإمام الخميني وسط طهران، على علم بأن شيء ما سيحدث في القريب يتعلق بتحرك إيراني في إطار مواجهة الضغوط والعقوبات المفروضة عليها، فعندما كان جميع المشاركين في حسينية الخميني يسمعون للطمية المنشد الشيعي “ميثم مطيعي” ويلطمون على صدورهم وهو يردد “اَي لشكر حيدر كرار خنجر يمني را بردار …الخ” أي بالعربي: (يا جيش “حيدر الكرار” (لقب الخليفة علي بن أبي طالب) (اخرج الخنجر اليمني بصرخة حيدرية تزلزل أصنام الكفار، نحن جند حزب الله، بشارة النصر من الله، تدميرك أصبح قريبا، قادمون يا باب خيبر)، كان خامنئي يحدق برسالة سياسية مشبعة بإيحاءات ميدانية تدلل على وجود تحرك إيراني بأيادي يمنية يتناغم مع هذه اللطمية، وخاصة عندما قال مطيعي: “نحن غضب الله الجليل نحن حجارة سجيل وكابوس أميركا وإسرائيل”.

وبالفعل، وبعد ساعات معدودة، تم استهداف منشآت النفط السعودية، وأعلنت ميليشيات الحوثي مسؤوليتها عن هذا العمل الإرهابي، وتوالت ردود الأفعال الدولية التي كان أبرزها ما أكدته الولايات المتحدة على لسان كبار مسؤوليها بأن إيران هي من تقف وراء هذا الهجوم.

المسار الآخر الذي يؤكد تورط إيران في هذا العمل الإرهابي، تكرار تهديدات المسؤولين السياسيين والعسكريين الإيرانيين بمنع أو عرقلة إمدادات النفط العالمية التي مصدرها المنطقة أو تعبر منها، وتحديهم للمجتمع الدولي بأنه في حال بقيت العقوبات الأميركية على تصدير النفط الإيراني، فإن انتقام طهران سيكون في المنطقة عبر تنشيط العمل الإرهابي ضد المنشآت والإمدادات النفطية العالمية، بهدف إيجاد خلل ونقص في أسواق النفط العالمية لإجبار المجتمع الدولي على شراء نفط إيران ودفع الولايات المتحدة لرفع العقوبات عن تصدير النفط الإيراني، وقد نفذت إيران هذه التهديدات في أكثر من موضع أهمها استهداف ناقلات النفط في بحر عمان ومضيق هرمز.

إلى جانب هذه المؤشرات والأدلة، فقد تغنت وسائل الإعلام الإيرانية، وخاصة التابعة للحكومة والحرس الثوري والتيار الأصولي، بما وصفته بالانتصار الكبير الذي قامت به ميليشيات الحوثي في استهداف منشآت النفط السعودية،وكان لها السبق الإعلامي في ذلك، وعبر عناوينها الرئيسية وبالخط العريض اعتبرت وسائل الإعلام الإيرانية هذا العمل الإرهابي انتصارا كبيرا، وأكدت في طيتها أن مثل هذه الأعمال الإرهابية ستستمر في العمق السعودي وستطال الدول التي تشارك في التحالف العربي لإعادة الشرعية، بل أن بعضها ذهب إلى أبعد من ذلك، في إشارة إلى أن ما حدث انتصار إيراني يضاف إلى انتصارات طهران السياسية والميدانية الأخيرة.

إضافة إلى ذلك، فإن حادثة استهداف منشآت النفط السعودية في بقيق وخريص، لم تكن بعيدة زمنيا عما جرى في لبنان والعراق وسوريا عندما قامت مقاتلات إسرائيلية باستهداف عدة مواقع عسكرية تابعة للحرس الثوري وأذرعه في هذه الدول، حيث أرادت طهران أن تتحرك في أي مكان وتنفذ عملا انتقاميا للاستهلاك الداخلي والترويج للصمود الإيراني وقدرة القوات الإيرانية على الرد على أي نشاط يستهدفها في أي مكان.

الولايات المتحدة حملت إيران المسؤولية الكاملة عن هذا العمل الإرهابي، وأكدت أن الهجوم لم تشنه طائرات مسيرة بل صواريخ كروز مصدرها إيران أو العراق، كما نوه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أن بلاده تعرف من الفاعل وجاهزة للرد، لكنها تنتظر السعودية لتوجيه الاتهام، كما وجه وزير الخارجية الأميركي “مايك بومبيو” أصابع الاتهام إلى إيران، التي نفت على لسان المتحدث باسم خارجيتها “عباس موسوي” أن تكون مسؤولة عن الهجوم، وهو نفي كلامي يتضمن اعتراف واقعي بأن إيران هي الداعم الحقيقي للانقلاب الحوثي في اليمن كما هي الداعم الوحيد لحزب الله في لبنان والحشد الشيعي في العراق.

وبعيدا عن هذا وذلك، فإن من تبنى هذا الهجوم الإرهابي، وهي ميليشيا الحوثي، تعتبر وبعلم الجميع واعترافها بأنها أداة بيد إيران، بحيث أصبحت أحد فيالق الحرس الثوري، وكافة ما تقوم به من أنشطة سياسية وعسكرية وأمنية وغيرها تتلقاه على شكل أوامر من قادة الحرس الثوري، فإذا كانت هي الأيادي التي قامت بهذا العمل الإرهابي، فإن أوامر تنفيذه قد جاءت من بيت المرشد في طهران، ومن المرجح أنها تمت بصواريخ إيران وطائرات مسيرة انطلقت من أكثر من نقطة في المنطقة يسيطر عليها الحرس الثوري أو أحد أذرعه المسلحة.

 بقلم ابراهيم مقدادي: مدير مركز المزماة للدراسات والبحوث

16 سبتمبر 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق